تحل في الثالث والعشرين من يونيو من كل عام ذكرى رحيل القارئ الكبير الشيخ أبو العينين شعيشع، أحد أبرز أعلام التلاوة في مصر والعالم الإسلامي، والذي ترك إرثًا قرآنيًا خالدًا امتد لأكثر من ثمانية عقود من الزمن، حتى أصبح اسمه علامة فارقة في مدرسة التلاوة المصرية الأصيلة.
وفي مثل هذا اليوم من عام 2011، فقدت الأمة الإسلامية واحدًا من أشهر سفراء القرآن الكريم، بعدما كرّس حياته لخدمة كتاب الله، متنقلًا بين المساجد والمحافل الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، ناشرًا رسالة القرآن بصوته العذب وأدائه المميز الذي أسر القلوب قبل الآذان.
وُلد الشيخ أبو العينين شعيشع بمدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ في الثاني عشر من أغسطس عام 1922، وكان الابن الثاني عشر لوالده.
ومنذ سنواته الأولى ظهرت عليه علامات النبوغ والتميز، حيث التحق بالكُتّاب وهو في السادسة من عمره، وتمكن من حفظ القرآن الكريم كاملًا قبل أن يبلغ العاشرة، في إنجاز مبكر عكس موهبته الاستثنائية وارتباطه العميق بكتاب الله.
ولم تكتفِ أسرته بتعليمه في الكُتّاب، بل حرصت والدته على إلحاقه بالمدرسة الابتدائية، وهناك بدأت موهبته تتجلى بصورة أكبر، إذ اعتاد تلاوة القرآن الكريم في الطابور المدرسي والمناسبات الدينية والوطنية، الأمر الذي لفت أنظار المعلمين والمسؤولين إلى جمال صوته وتمكنه من أحكام التلاوة.
ومع تزايد الإشادة بأدائه، نصح مدير المدرسة والدته بضرورة توجيهه إلى أحد كبار علماء القراءات والتجويد لصقل موهبته وتنميتها، لتبدأ رحلة جديدة نحو عالم الشهرة والتميز.
في سنوات شبابه الأولى تأثر الشيخ أبو العينين شعيشع بالقارئ الأسطوري الراحل الشيخ محمد رفعت، الذي كان يمثل آنذاك مدرسة متفردة في التلاوة القرآنية.
وربطت بين الرجلين علاقة وثيقة من المحبة والتقدير، حتى إن الإذاعة المصرية استعانت بالشيخ شعيشع لاحقًا للمساعدة في إصلاح وترميم بعض التسجيلات التالفة الخاصة بالشيخ محمد رفعت، تقديرًا لخبرته ومعرفته الدقيقة بأسلوبه وأدائه.
لكن الشيخ أبو العينين لم يكتفِ بالتأثر بمن سبقه من القراء الكبار، بل استطاع منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي أن يصنع لنفسه مدرسة مستقلة في الأداء القرآني، امتازت بالجمع بين قوة الأحكام وروعة المقامات وحضور المشاعر، ليصبح أحد أكثر الأصوات تميزًا في تاريخ التلاوة المصرية.
كانت الإذاعة المصرية نقطة التحول الكبرى في حياة الشيخ أبو العينين شعيشع، حيث التحق بها عام 1939 وهو لا يزال في مقتبل العمر.
وسرعان ما جذب انتباه المستمعين بصوته المختلف وأسلوبه الفريد، لتنهال عليه الدعوات من مختلف المحافظات المصرية ثم من الدول العربية والإسلامية لإحياء الليالي الرمضانية والمناسبات الدينية الكبرى.
وأصبح اسمه خلال سنوات قليلة من أشهر أسماء قراء القرآن الكريم في مصر، قبل أن يتحول إلى سفير عالمي للقرآن الكريم في مختلف القارات.
أول قارئ مصري يتلو القرآن في المسجد الأقصى
من أبرز المحطات التاريخية في مسيرة الشيخ أبو العينين شعيشع أنه كان أول قارئ مصري يتلو القرآن الكريم في المسجد الأقصى المبارك.
وقد تلقى دعوة للعمل قارئًا بإذاعة الشرق الأدنى التي كان مقرها مدينة يافا الفلسطينية عام 1940، حيث كان يفتتح إرسال الإذاعة يوميًا بتلاوة القرآن الكريم ويختتمه أيضًا.
كما اعتاد الانتقال كل يوم جمعة من يافا إلى القدس لتلاوة القرآن الكريم داخل المسجد الأقصى المبارك، ليصبح أول قارئ مصري ينال هذا الشرف الكبير.
ورغم النجاح اللافت الذي حققه خلال تلك الفترة، فإن ارتباطه الشديد بأسرته جعله يعود إلى مصر بعد فترة قصيرة، لكنه ظل يفخر بهذه التجربة طوال حياته.
من المواقف المؤثرة التي ظل الشيخ يرويها طوال حياته ما حدث له عام 1936 أثناء مشاركته في احتفال ديني بمدينة المنصورة.
وكان عمره آنذاك أربعة عشر عامًا فقط، وعندما شاهد آلاف الحاضرين شعر بالرهبة والخوف من الوقوف أمام هذا الحشد الضخم.
وروى الشيخ أنه فوجئ بعد انتهاء التلاوة بالطلاب والجماهير يلتفون حوله ويحملونه على الأعناق تعبيرًا عن إعجابهم الشديد بأدائه، وهو المشهد الذي جعله يبكي من شدة التأثر، وشكل نقطة تحول مهمة في مسيرته القرآنية.
شهدت القاهرة واحدة من أهم المحطات في حياة الشيخ أبو العينين شعيشع عندما شارك في عزاء الشيخ الخضري، شيخ الجامع الأزهر آنذاك.
وخلال التلاوة، تجمع المارة والجماهير بأعداد ضخمة حول السرادق، وامتلأت الشوارع المحيطة بالمستمعين الذين أذهلهم الصوت الجديد القادم من محافظة كفر الشيخ.
وبعد انتهاء القراءة، وجد الشيخ نفسه محاطًا بحشود كبيرة ترغب في مصافحته والتعرف عليه، بينما تقدم إليه الشيخ عبد الله عفيفي إمام القصر الملكي وأشاد بموهبته، مؤكدًا أنه يمتلك مستقبلًا كبيرًا في عالم التلاوة وأن عليه التقدم للإذاعة المصرية.
لماذا لُقب بـ«ملك الصبا»؟
اشتهر الشيخ أبو العينين شعيشع بلقب «ملك الصبا»، وهو أحد أشهر الألقاب التي ارتبطت به بين أهل التلاوة والموسيقى العربية.
ويرجع هذا اللقب إلى براعته الفريدة في أداء مقام الصبا المعروف بطابعه الحزين والمؤثر، حيث كان يمتلك قدرة استثنائية على نقل المشاعر الروحية إلى المستمعين.
وكان الشيخ نفسه يربط هذه القدرة بتجربة شخصية مؤلمة عاشها في طفولته بعد وفاة والده، مؤكدًا أن ذلك الحدث ترك أثرًا عميقًا في نفسه انعكس على نبرة صوته وأسلوبه في الأداء، فغلب عليه الشجن والخشوع.
لم تقتصر رسالة الشيخ أبو العينين شعيشع على مصر فقط، بل امتدت إلى مختلف أنحاء العالم.
فقد زار عشرات الدول العربية والإسلامية والأجنبية، وقرأ القرآن الكريم في أشهر المساجد العالمية، وفي مقدمتها المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد الأقصى بالقدس، والجامع الأموي في دمشق، ومسجد المركز الإسلامي في لندن.
وخلال هذه الرحلات الطويلة تأثر عدد من غير المسلمين بتلاوته، وأعلن بعضهم اعتناق الإسلام بعد الاستماع إلى القرآن الكريم بصوته المؤثر.
وعلى مدار أكثر من ستين عامًا قارئًا بالإذاعة المصرية، لم يكد يترك دولة عربية أو إسلامية إلا وزارها مرات عديدة قارئًا ومبلغًا لرسالة القرآن.
في مطلع ستينيات القرن الماضي تعرض الشيخ أبو العينين شعيشع لأزمة صحية أثرت على صوته وأثارت مخاوف محبيه من ابتعاده عن التلاوة.
إلا أن الشيخ تمكن من تجاوز هذه المحنة وعاد بقوة إلى الساحة القرآنية، ليواصل مسيرته الحافلة بالعطاء.
وفي عام 1969 تم تعيينه قارئًا لمسجد عمر مكرم، ثم انتقل عام 1992 ليصبح قارئًا لمسجد السيدة زينب، أحد أشهر المساجد التاريخية في مصر.
لم يكن دور الشيخ مقتصرًا على التلاوة فقط، بل كان أحد المدافعين عن حقوق القراء والحفاظ على مكانة أهل القرآن.
وخلال سبعينيات القرن الماضي شارك مع كبار القراء، ومن بينهم محمود علي البنا وعبد الباسط عبد الصمد، في جهود تأسيس نقابة القراء.
وفي عام 1988 انتُخب نقيبًا للقراء خلفًا للشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ليقود واحدة من أهم المؤسسات المعنية بخدمة القراء في مصر.