في رحاب المسجد الحرام، وبين جموع الحجاج والمعتمرين الذين جاءت بهم الأشواق من شتى بقاع الأرض، يبقى الطواف حول الكعبة المشرفة واحدًا من أعظم المشاهد الروحانية التي تتجلى فيها معاني العبودية والخضوع لله تعالى، حيث تمتزج أصوات التلبية والتكبير بدموع التائبين، وتتحول لحظات الطواف إلى رحلة إيمانية يعيش فيها المسلم حالة نادرة من الصفاء والسكينة.
ففي كل شوط يخطوه الحاج أو المعتمر حول بيت الله الحرام، يشعر وكأنه يخلع عن قلبه أعباء الدنيا وهمومها، متوجهًا بروحه إلى الله تعالى، طالبًا المغفرة والرحمة والقبول.
ومع توافد ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة في موسم الحج والعمرة، يزداد اهتمام الحجاج بمعرفة الأدعية المأثورة أثناء الطواف، اقتداءً بسنة النبي ﷺ، الذي علّم الأمة كيف تناجي ربها في تلك اللحظات المباركة بأعظم الكلمات وأصدقها.
ويؤكد علماء الشريعة أن الطواف لا يقتصر على الدوران حول الكعبة المشرفة، بل هو عبادة قلبية وروحية قبل أن يكون حركة بالجسد، إذ يستشعر المسلم خلاله عظمة الله تعالى، ويتأمل في معاني التوحيد والطاعة والانقياد الكامل لأمر الله.
كما يرمز الطواف إلى وحدة المسلمين واجتماعهم حول قبلة واحدة ورب واحد، في مشهد تتلاشى فيه الفوارق بين البشر، فلا فرق بين غني وفقير أو عربي وأعجمي إلا بالتقوى.
ويعيش المسلم أثناء الطواف حالة من السكينة والطمأنينة، خاصة مع الإكثار من الذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ وتلاوة القرآن الكريم.
بداية الطواف.. إعلان الإيمان
يبدأ الحاج أو المعتمر طوافه من عند الحجر الأسود، ذلك الموضع المبارك الذي تهفو إليه قلوب المسلمين، حيث يستقبل الكعبة المشرفة بخشوع وخضوع، معلنًا بدء رحلة الطواف حول بيت الله الحرام.
وكان من هدي النبي ﷺ عند استلام الحجر الأسود أو الإشارة إليه أن يقول:
«بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ».
ويردد المسلم هذا الذكر مع بداية كل شوط من أشواط الطواف السبعة، ليظل القلب حاضرًا بمعاني الإيمان والتوحيد والاتباع.
ويرى العلماء أن هذه الكلمات القليلة تحمل معاني عظيمة، فهي تجديد للعهد مع الله تعالى، وإعلان صريح بالتمسك بمنهج النبي ﷺ والسير على طريق الطاعة.
الدعاء أثناء الطواف
وخلال الطواف، يُفتح أمام المسلم باب واسع للدعاء والتضرع، إذ لا يوجد دعاء محدد لكل شوط، بل يدعو العبد بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، بحسب ما يفيض به قلبه من رجاء وخشوع.
ويؤكد أهل العلم أن المقصود الأعظم من الطواف هو حضور القلب والانكسار بين يدي الله، ولذلك يُستحب للمسلم أن يكثر من الدعاء والاستغفار وذكر الله تعالى.
ومن أعظم الأدعية التي يُستحب ترديدها أثناء الطواف:
«اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ»
ويحمل هذا الدعاء معاني التوبة والافتقار الكامل إلى الله تعالى، ففيه يسأل العبد ربه المغفرة والرحمة والعفو عن الذنوب والخطايا التي يعلمها الله وحده.
ويشعر المسلم مع هذا الدعاء بأنه يطرح ضعفه وحاجته بين يدي خالقه، راجيًا الستر والقبول والرحمة.
دعاء يجمع خيرَي الدنيا والآخرة
ومن أكثر الأدعية التي يرددها الحجاج والمعتمرون أثناء الطواف:
«اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»
ويُعد هذا الدعاء من أجمع الأدعية النبوية وأعظمها، لأنه يجمع كل ما يتمناه الإنسان في دنياه وآخرته.
فالحسنة في الدنيا تشمل الصحة والرزق والسكينة والهداية وصلاح الأحوال، بينما الحسنة في الآخرة تعني الفوز بالجنة والنجاة من النار.
ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من هذا الدعاء في مواطن كثيرة، لما يحمله من معانٍ عظيمة تختصر حاجات الإنسان كلها.
دعاء يمتلئ بمعاني الرضا والتوكل
ومن الأدعية العظيمة التي يُستحب ترديدها أثناء الطواف:
«اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَبِقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي...»
ويحمل هذا الدعاء معاني عميقة من الرضا بقضاء الله والتسليم الكامل لأمره، إذ يفوض العبد حياته ومماته إلى الله تعالى، مؤمنًا بأن الخير كله بيده سبحانه.
كما يتضمن الدعاء سؤال الله الخشية في السر والعلن، والعدل في الغضب والرضا، والقناعة في الفقر والغنى، والنعيم الذي لا ينقطع، ولذة النظر إلى وجه الله الكريم.
ويرى العلماء أن هذا الدعاء يمثل مدرسة متكاملة في التوكل على الله وحسن الظن به والاشتياق إلى لقائه سبحانه وتعالى.
ومن المواطن المباركة أثناء الطواف، المنطقة الواقعة بين الركن اليماني والحجر الأسود، حيث ورد عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول بين الركنين:
«رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»
ولهذا يحرص الحجاج والمعتمرون على تكرار هذا الدعاء في كل شوط، اقتداءً بالنبي الكريم ﷺ وطمعًا في بركة هذا الموضع المبارك.
وبعد الانتهاء من الطواف، يعيش المسلم لحظات أخرى من النفحات الإيمانية في مواضع عظيمة يُستحب فيها الدعاء والتضرع والبكاء بين يدي الله تعالى، ومن أبرزها المُلتزم والحِجر ومقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.
ويؤكد العلماء أن هذه المواضع من أعظم الأماكن التي تُرجى فيها إجابة الدعاء، لما تحمله من مكانة خاصة في قلوب المسلمين.
ويقع المُلتزم بين باب الكعبة والحجر الأسود، ويُعد من أكثر المواضع التي يقف عندها المسلمون متضرعين باكين، يرجون رحمة الله وعفوه.
ومن الأدعية المأثورة عند المُلتزم:
«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَكَ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَكَ...»
ويمتلئ هذا الدعاء بمعاني الحمد والشكر والثناء على الله تعالى، كما يتضمن سؤال الله الحفظ من الشرور، والبركة في الرزق، والثبات على الاستقامة، وحسن الخاتمة.
وفي هذا الموضع المبارك، يشعر المسلم بأنه أقرب ما يكون إلى الله تعالى، فيرفع يديه بقلب منكسر وروح خاشعة، طالبًا المغفرة والرحمة والعتق من النار.