أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن إصلاح النفس يمثل نقطة البداية الحقيقية لأي مشروع إصلاحي في المجتمع، خاصة في أزمنة اختلال المعايير وكثرة الأهواء وتضارب القيم.

وأوضح أن الإنسان المؤمن مطالب بأن يبدأ بنفسه أولًا، ثم ينتقل إلى من يعولهم، قبل أن يتوسع في دائرة الإصلاح المجتمعي، مشيرًا إلى أن هذا التدرج يعكس فهمًا صحيحًا لطبيعة المسؤولية في الإسلام، ويؤسس لبناء اجتماعي متوازن قائم على الوعي والرحمة.

قاعدة شرعية في ترتيب المسؤوليات

واستند الدكتور علي جمعة إلى نصوص شرعية تؤكد هذا المعنى، مشيرًا إلى قول النبي ﷺ:

«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ…» (رواه مسلم).

وأوضح أن هذا الحديث يضع ترتيبًا دقيقًا للمسؤوليات، يبدأ بالذات، ثم الأسرة، ثم الدائرة الأوسع من الأقارب والمجتمع.

وشدد على أن هذا التوجيه لا يعني ترك النصيحة أو الانسحاب من الإصلاح، بل يضع شرطًا أساسيًا يتمثل في أن يكون الإنسان واعيًا بإصلاح نفسه قبل توجيه الآخرين.

وتوقف المفتي الأسبق عند حديث نبوي آخر يصف فترات اضطراب القيم وانتشار الأهواء، حيث قال النبي ﷺ:

«إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً… فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ».

وأشار إلى أن هذا التوجيه النبوي لا يدعو للعزلة السلبية، بل إلى التركيز على بناء الذات في لحظات الاضطراب، حتى لا ينشغل الإنسان بإصلاح الآخرين وهو غافل عن إصلاح نفسه.

نماذج قرآنية.. دروس من تاريخ بني إسرائيل

واستشهد الدكتور علي جمعة بما ورد في القرآن الكريم من قصة بني إسرائيل مع نبي الله موسى عليه السلام، حين رفضوا دخول الأرض المقدسة، وما ترتب على ذلك من التيه.

وأوضح أن هذه القصة تكشف سنة إلهية مهمة، وهي أن تغيير النفوس وإعادة بناء المجتمعات يحتاج إلى وقت وصبر وتربية طويلة، وليس مجرد قرارات لحظية.

وبيّن أن مرحلة التيه لم تكن عقوبة فقط، بل كانت أيضًا مساحة تربوية لإعادة تشكيل الوعي وبناء جيل جديد أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية

وأشار عضو هيئة كبار العلماء إلى أن السيرة النبوية تقدم نموذجًا عمليًا واضحًا في منهج الإصلاح التدريجي، حيث بدأت الدعوة في مكة بصورة فردية، ثم توسعت تدريجيًا داخل دائرة الأسرة والأقربين، قبل أن تمتد إلى المجتمع الأوسع.

وذكر أن هذا التدرج لم يكن ضعفًا، بل كان بناءً متينًا للإنسان قبل الدولة، وللإيمان قبل التمكين، حتى وصل المسلمون لاحقًا إلى مرحلة القوة والانتشار الواسع في المدينة المنورة وما بعدها.

المسؤولية الفردية.. كل إنسان راعٍ

واستشهد الدكتور علي جمعة بحديث النبي ﷺ:

«أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه مسلم).