في خضم حالة من الجدل الواسع التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي عقب تداول دعاء خطيب صلاة العيد، والذي تضمن عبارة: «اللهم بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبالسر الكامن فيها، ألّا يجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقه»، خرج الدكتور محمد مهنا، مستشار شيخ الأزهر الشريف، ليضع النقاط فوق الحروف، موضحًا الأبعاد الشرعية والتاريخية لهذه القضية التي أثارت انقسامًا في الرأي العام.

وأكد مهنا أن الجدل الدائر يعكس في جوهره خللًا في فهم التراث الإسلامي، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الاعتراضات المطروحة لا تنطلق من أصول علمية راسخة، بل من تصورات غير دقيقة حول مفاهيم أصيلة في الدين، مثل محبة أهل البيت والتوسل.

تساؤلات جوهرية: أين موضع الإنكار؟

طرح مستشار شيخ الأزهر تساؤلًا محوريًا يعكس عمق الإشكال: ما الذي يتم إنكاره تحديدًا في هذا الدعاء؟
هل هو التعبير عن محبة أهل بيت النبي؟
أم التوسل بهم إلى الله؟
أم الدعاء لمصر بالاستغناء عن ذل الحاجة؟

وأوضح أن هذه التساؤلات تكشف أن الجدل لا يدور حول نص الدعاء فقط، بل يمتد إلى مفاهيم دينية متجذرة، تحتاج إلى إعادة قراءة وفهم في ضوء النصوص الشرعية وإجماع العلماء

مكانة أهل البيت في النصوص الشرعية

شدد الدكتور مهنا على أن مكانة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، فضلًا عن إجماع الصحابة والتابعين.

واستشهد بعدد من المواقف الموثقة في التراث الإسلامي، من بينها قول الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «ارقبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته»، في إشارة واضحة إلى ضرورة مراعاة حقوقهم وتوقيرهم.

كما أشار إلى موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كان يتوسل بدعاء العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في الاستسقاء، في دلالة على تعظيم مكانة أهل البيت والاستعانة بدعائهم.

ولم يغفل مهنا الإشارة إلى قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق»، وهو نص يعكس الارتباط الوثيق بين الإيمان ومحبة آل البيت.

كما استحضر وصايا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، التي شددت على ضرورة حفظ حقوق آل بيت النبي وتعظيم شأنهم.

أوضح مهنا أن السنة النبوية جاءت مؤكدة لهذا المعنى، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي»، وهو نص صريح يجعل محبة أهل البيت امتدادًا لمحبة النبي نفسه.

كما أشار إلى تفسير قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى}، مؤكدًا أن جمهور العلماء أجمعوا على أن المقصود بـ"القربى" هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ما يعزز من مكانتهم الدينية والروحية في وجدان الأمة الإسلامية.

إجماع الأئمة: محبة آل البيت من صميم العقيدة

في سياق تأصيله العلمي، استعرض مستشار شيخ الأزهر مواقف أئمة المذاهب الأربعة، مؤكدًا أنهم أجمعوا على وجوب محبة أهل البيت وتوقيرهم.

فالإمام أبو حنيفة النعمان اعتبر حبهم من أفضل القربات إلى الله، بينما شدد الإمام مالك بن أنس على ضرورة توقيرهم وعدم الخوض فيهم إلا بخير.

أما الإمام محمد بن إدريس الشافعي فقد عبّر عن حبه لآل البيت في أبيات شعرية خالدة قال فيها:
يا آل بيت رسول الله حبكمُ
فرض من الله في القرآن أنزلهُ

في حين أكد الإمام أحمد بن حنبل محبته الشديدة لهم، معتبرًا ذلك من أصول أهل السنة.


التوسل بآل البيت: خلاف في الكيفية لا في الأصل

وحول القضية الأكثر إثارة للجدل، وهي التوسل بأهل البيت، أوضح مهنا أن الأمة الإسلامية لم تختلف في أصل مشروعية التوسل، وإنما دار الخلاف حول صيغته وكيفيته.

وأشار إلى أن عددًا من كبار العلماء، مثل ابن حجر العسقلاني، ومحمد بن علي الشوكاني، ومحمود الألوسي، أجازوا التوسل، في حين رأى ابن تيمية عدم الأخذ به في بعض صوره.

وأكد أن القاعدة الفقهية الحاكمة في هذا السياق هي: «لا إنكار في مسائل الخلاف»، خاصة إذا كان الدعاء موجهًا إلى الله وحده دون شرك أو انحراف في العقيدة.

بين الدين والسياسة: محبة آل البيت ليست شعارًا طائفيًا

نفى مهنا بشكل قاطع أن تكون محبة أهل البيت ذات طابع طائفي، مؤكدًا أنها جزء أصيل من عقيدة أهل السنة، ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأضاف أن إثارة الجدل حول هذه القضايا الحساسة في هذا التوقيت تحديدًا يثير القلق، لما قد يترتب عليه من فتح أبواب الفتنة والانقسام داخل المجتمع.