مع اقتراب لحظة الحسم في الصراع الطويل بين المسلمين وقريش، شرع النبي محمد ﷺ في اتخاذ واحدة من أهم الخطوات العسكرية في تاريخ الدعوة الإسلامية، وهي تجهيز جيش كبير لم يسبق للمسلمين أن جمعوا مثله من قبل.
فقد بلغ عدد المقاتلين في هذا الجيش نحو عشرة آلاف من الصحابة، وهو رقم يعكس حجم التحول الذي طرأ على قوة المسلمين بعد سنوات من الصبر والكفاح منذ بداية الدعوة في مكة ثم الهجرة إلى المدينة المنورة.

وقد جاء هذا التحرك بعد نقض قريش للعهد الذي أبرمته مع المسلمين في صلح الحديبية، الأمر الذي اعتبره المسلمون خرقًا واضحًا للاتفاق وتهديدًا مباشرًا لأمنهم وحلفائهم ومن هنا كان لا بد من رد حاسم يعيد التوازن ويؤكد قوة الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة.

ولم يكن الهدف من هذا الجيش الكبير الدخول في حرب شاملة بقدر ما كان تحقيق عنصر المفاجأة وإظهار القوة الكافية التي تمنع قريشًا من التفكير في المواجهة وقد نجحت هذه الاستراتيجية بالفعل، إذ جرى إعداد الجيش وتحريكه في سرية تامة دون أن تصل أخبار التحرك إلى قريش إلا في وقت متأخر، ما أفقدها القدرة على الاستعداد للمواجهة.

تنظيم شؤون المدينة قبل التحرك

وقبل أن يتحرك الجيش الإسلامي نحو مكة، حرص النبي ﷺ على تنظيم شؤون المدينة المنورة وتأمينها إداريًا خلال فترة غيابه. ولهذا استخلف على المدينة الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري، ليقوم بإدارة شؤونها والمحافظة على الاستقرار داخلها حتى عودة الجيش.

ويعكس هذا القرار حرص القيادة النبوية على عدم ترك أي فراغ إداري أو أمني في المدينة، خاصة أنها أصبحت مركز الدولة الإسلامية وقلبها السياسي والديني في ذلك الوقت.

تحرك الجيش في سرية تامة

انطلق الجيش الإسلامي من المدينة المنورة في مسير منظم ومتدرج نحو مكة المكرمة، وسط تكتم شديد لضمان عنصر المفاجأة وقد اتسمت هذه الرحلة بدرجة عالية من الانضباط العسكري والتنظيم، حيث حرص النبي ﷺ على أن يسير الجيش بطريقة تمنع تسرب الأخبار إلى قريش قبل الوصول إلى مشارف مكة.

وكان الهدف من هذه السرية تفادي أي استعداد عسكري قد تقوم به قريش، مما يزيد فرص دخول مكة دون قتال، وهو الهدف الذي كان النبي ﷺ يسعى إليه منذ البداية

لقاء مؤثر مع العباس بن عبد المطلب

وخلال الطريق إلى مكة، وقع حدث مهم عكس التغيرات العميقة التي بدأت تحدث داخل مكة نفسها. فقد التقى النبي ﷺ بعمه العباس بن عبد المطلب، الذي كان قد خرج من مكة برفقة أسرته معلنًا إسلامه ومهاجرًا إلى المدينة.

وقد كان انضمام العباس إلى جيش المسلمين حدثًا ذا دلالة كبيرة، إذ كان من كبار بني هاشم ومن الشخصيات المؤثرة في مكة. وقد ساهم وجوده لاحقًا في تسهيل عملية دخول المسلمين إلى المدينة المقدسة وتقليل احتمالات الصدام مع قريش.

كما عكس هذا التحول تغيرًا واضحًا في مواقف عدد من الشخصيات المكية البارزة التي بدأت تدرك أن موازين القوى في الجزيرة العربية أخذت تميل لصالح المسلمين.

وصول الجيش إلى مشارف مكة

مع اقتراب الجيش الإسلامي من مكة، بدأت ملامح المشهد تتضح لقريش فقد أدركت القبيلة التي خاضت حروبًا طويلة مع المسلمين أن مواجهة جيش يضم عشرة آلاف مقاتل مدربين ستكون مغامرة خاسرة بكل المقاييس.

ولهذا بدأت حالة من الارتباك تسود صفوف قريش، خاصة أن عنصر المفاجأة كان قد تحقق بالفعل، ولم يكن لديهم الوقت الكافي لحشد قوات كبيرة أو تنظيم دفاعات قوية.

وقد أدى ذلك إلى انهيار فكرة المقاومة الشاملة داخل مكة، ما فتح الباب أمام دخول المسلمين إلى المدينة دون معارك واسعة.

محاولة محدودة للمقاومة

ورغم أن أغلب مناطق مكة دخلها المسلمون دون قتال، فإن محاولة محدودة للمقاومة حدثت في إحدى الجهات.

فقد حاولت مجموعة من رجال قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل التصدي للقوات الإسلامية ومنعها من دخول المدينة غير أن هذه المحاولة سرعان ما تحولت إلى مواجهة محدودة مع القوات التي كان يقودها القائد العسكري البارز خالد بن الوليد.

وبفضل خبرة خالد بن الوليد العسكرية وتفوق القوات الإسلامية، انتهت هذه المواجهة سريعًا، حيث قُتل اثنا عشر رجلًا من قريش، بينما استشهد رجلان من المسلمين فقط.

ومع سقوط هذه المقاومة المحدودة، فر بقية المقاتلين من قريش، وانتهت أي محاولة لعرقلة دخول المسلمين إلى مكة.


دخول تاريخي بلا حرب

بعد انتهاء تلك المواجهة المحدودة، دخل النبي ﷺ مكة المكرمة على رأس جيشه في مشهد تاريخي مهيب، دون أن تشهد المدينة حربًا شاملة أو عمليات انتقامية.

وقد اعتبر المؤرخون هذا الحدث واحدًا من أكثر الفتوحات تميزًا في التاريخ، إذ دخل القائد المنتصر المدينة التي حاربته لسنوات طويلة دون أن يسعى إلى الانتقام أو إراقة الدماء.

وكان هذا الدخول السلمي بمثابة إعلان نهاية مرحلة طويلة من الصراع بين المسلمين وقريش، وبداية مرحلة جديدة من الاستقرار والتحول الديني والسياسي في الجزيرة العربية.