في أحد مشاهد مستشفى الوديان، تجلس طبيبة مصرية وسط مجموعة من أطفال غزة، تحاول أن تنتزعهم من ضيق الجدران إلى فسحة الخيال، حيث تقول لهم: تخيلوا مدينة جميلة ستبنونها بأنفسكم، ترتفع يد طفلة نحيلة بملامح هادئة وصوت حاسم: "بلاش تسكني فوق يا دكتورة عشان الطيارة تقصفكيش.. فين السوبر ماركت؟ فيه أكل؟ هنسميها مدينة البطاطا".

لم يكن اقتراح الاسم طريفًا بقدر ما كان كاشفًا، فالمدينة التي حلمت بها الطفلة لم تبدأ بحديقة أو ألعاب، بل بسوبر ماركت مليء بالطعام، وبمنازل منخفضة لا تطالها الطائرات.

الطفلة هي تولين محمد، 11 عامًا، واحدة من أطفال غزة الذين استعان بهم صناع مسلسل "صحاب الأرض"، المعروض في رمضان، بطولة منة شلبي وإياد نصار، وإخراج بيتر ميمي، الذي قرر إشراك أطفال عاشوا الحرب فعليًا ليجسدوا تفاصيلها على الشاشة.

لم تؤدِّ تولين دورًا دراميًا فحسب، بل وقفت أمام الكاميرا لتقول للعالم إن بعض الأطفال لا يتخيلون مدنًا من ألعاب.. بل مدنًا لا تُقصف، وفيها خبز يكفي الجميع.

image
مشهد “مدينة البطاطا” من مسلسل صحاب الأرض

من شمال غزة إلى القاهرة

تبدأ حكاية تولين من شمال مدينة غزة، منطقة دوار أبو مازن، وتقول والدتها مي الوحيدي إن الأسرة أُجبرت على مغادرة منزلها في الأسابيع الأولى من الحرب، ولجأت إلى بيت قريب في منطقة أخرى بالشمال.

"حاولنا نرجع، لكن بيتنا انقصف، وما ضل إلنا مكان"، تقول الأم.

بعد أيام، أُلقيت منشورات تطالب السكان بالتوجه جنوبًا، انتقلت العائلة إلى النصيرات، حيث مكثوا قرابة شهرين في ظروف صعبة، بين نقص الطعام، وطوابير الخبز، والخوف الدائم من القصف.

"كانت أحيانًا تنام تولين ومش لاقية الخبزة تأكلها"، تضيف الأم.

لاحقًا، صدر إنذار جديد بالإخلاء إلى رفح. هناك، واجهت الأسرة معاناة مختلفة؛ نزوح وسط الاشتباكات وأصوات الرصاص، مدينة مكتظة، لا يعرفون فيها أحدًا، بينما كان جد تولين في مصر قبل اندلاع الحرب بيومين ولم يتمكن من العودة.

بمساعدة أصدقاء، وجدوا مأوى مؤقتًا، وفي 21 ديسمبر 2023 خرجت الأسرة من غزة، لتصل إلى القاهرة في 31 من الشهر ذاته، حيث تقيم حتى اليوم.

طفولة تحت القصف

تقول تولين إن الحرب غيّرت تفاصيل حياتها اليومية، موضحة: "قبل الحرب كنت أنام لحالي عادي، بالحرب صرت بخاف أنام من غير ماما".

الخوف لم يكن عابرًا، بل أصبح شعورًا دائمًا؛ الخوف من صوت الطائرات، من فقدان أحد أفراد العائلة، من كلمة "إخلاء" التي تصفها بأنها أكثر كلمة تكرهها.

أصعب لحظة بقيت في ذاكرتها كانت قصف منزلهم،  "راحت ألعابي وذكرياتي وكل إشي"، تقول بهدوء.

ورغم صغر سنها، تتحدث تولين بوعي لافت عن الجوع الذي عاشته، وعن إحساسها بأن أشياء كثيرة سُلبت منها فجأة: المدرسة، الأصدقاء، الروتين البسيط الذي كان يشكل طفولتها.

image_2026-02-25_234651689
تولين بمنزلها في غزة قبل قصفه

حين يصبح التمثيل شهادة

مشاركة تولين في المسلسل جاءت مصادفة، عبر رسالة وصلت إلى حسابها على إنستجرام تدعوها لتجربة أداء.

خضعت لاختبار تمثيل، وتم اختيارها من المحاولة الأولى، ولكن الوقوف أمام الكاميرا لم يكن تحديًا بقدر ما كان استعادة.

"ما حسيت إني بمثل. حسيت إني بحكي اللي صار من قلبي"، تقول تولين.

وفي مشهد "مدينة البطاطا"، لم تكن الجملة مكتوبة بالكامل في نص جامد، بل خرجت بروحها وتجربتها، كان السؤال عن السوبر ماركت انعكاسًا لذاكرة الجوع، والتحذير من السكن في الطابق العلوي صدى ليالٍ طويلة تحت القصف.

وتؤكد والدتها أن التجربة منحتها ثقة أكبر بنفسها، رغم أن ملامح الحزن لا تزال واضحة في عينيها.

حلم تولين 

اليوم، تعيش تولين في القاهرة، بعيدة عن أصوات الطائرات، لكنها تحمل غزة في ذاكرتها اليومية.

وتحلم أن تصبح ممثلة معروفة، وأن تنجح في دراستها، وأن تعود يومًا إلى بيت آمن.

أمنيتها الأوضح تقولها ببساطة: "نفسي أصحى الصبح وألاقي مفيش حرب.. نعيش طفولتنا اللي انحرمنا منها".

في مسلسل درامي، بدت "مدينة البطاطا" فكرة عابرة من طفلة صغيرة.

لكن خارج الشاشة، كانت شهادة حيّة على أثر القصف والحصار في خيال الأطفال، وكيف يمكن لمشهد تمثيلي أن يتحول إلى وثيقة إنسانية تختصر حربًا كاملة في جملة واحدة.

اقرأ:: بيتر ميمي يستعين بطفلة "حرب" حقيقية.. سيلا تجسد ابنة بطل "صحاب الأرض"

اقرأ أيضًا:: لم تزر غزة يومًا.. الطفلة الفلسطينية شهبة تشارك في ملحمة “صحاب الأرض”