لم تكن سيلا تعلم أن الحرب التي اقتحمت طفولتها في غزة ستلاحقها إلى موقع تصوير درامي في مصر، حيث أعادت الكاميرا فتح الذاكرة على أصوات القصف وشكل الدبابات وتفتيش الجنود الإسرائيليين التي بالكاد نجت منها. 

الطفلة الفلسطينية، التي عاشت أهوال الحرب وفقدت أقارب لها تحت القصف، وجدت نفسها لاحقًا تؤدي دورًا قريبًا من قصتها الحقيقية في المسلسل المصري "صحاب الأرض"، عمل درامي أثار جدلاً واسعًا لتناوله الانتهاكات الإنسانية في قطاع غزة.

والمسلسل تدور أحداثه حول دخول وفد طبي إلى غزة خلال الحرب، تقوده الطبيبة "سلمى" التي تجسد شخصيتها منة شلبي، حيث تلتقي هناك بالشاب الفلسطيني "ناصر" الذي يؤدي دوره إياد نصار. 

ويحمل ناصر ابن أخيه، الناجي الوحيد من عائلته بعد قصف دموي، ويبحث عن عملية جراحية عاجلة تنقذ حياته. 

وفي السياق الدرامي، يظهر ناصر أباً لثلاث فتيات موجودات في الضفة الغربية مع جدتهن، بينما يبقى هو محاصرًا في غزة، عاجزًا عن الوصول إليهن، في ظل تعرضهن لمضايقات واعتداءات من مستوطنين. 

أما أصغر بناته؛ فكانت تجسدها سيلا، الطفلة التي لم تكن تمثل الخوف بل تعيشه، وتم اختيارها من قبل مخرج العمل بيتر ميمي. 

image_2026-02-23_141859873
 

من غزة إلى مصر

تروي والدة سيلا، شروق الوكيل، أن ابنتها وُلدت في مصر وعاشت فيها سنواتها الأولى، قبل أن تذهب في زيارة إلى غزة لتجد نفسها فجأة داخل حرب حقيقية، قضت فيها حوالي 7 شهور. 

هناك، عاشت الطفلة لحظات فقد متتالية، إذ استشهدت ابنة خالتها وزوجها، وانهار منزل العائلة فوق رؤوسهم. وتقول الأم إن سيلا بدأت تفهم معنى الموت باكرًا، وكانت تسأل عن الغائبين الذين لم يعودوا.

وفي حديثها لـ"اليوم"، تصف شروق لحظة عبور المعبر إلى الجانب المصري بأنها نقطة تحول نفسية عميقة. 

وتؤكد أنها شعرت وكأنها عادت إلى "حضن أم"، رغم أن المسافة بين المعبرين لا تتجاوز دقائق. كما تقول إن نظرات التعاطف والدعم التي لقيتها من المصريين منحتها إحساسًا بالأمان، وساعدتها على التقاط أنفاسها بعد شهور من الرعب.

image_2026-02-23_141918626
 

الكاميرا تستدعي الذاكرة

عندما تلقت الأم اتصالاً بشأن ترشيح سيلا للمشاركة في المسلسل، لم تكن تعرف طبيعة الدور. فرحت في البداية لأن ابنتها تحب الظهور أمام الكاميرا وتصنع مقاطع فيديو صغيرة، لكن حين قرأت السيناريو شعرت بالخوف. فالمشاهد التي ستؤديها سيلا تشبه تمامًا ما عاشته في غزة: اقتحام منزل، نزوح قسري، أصوات انفجارات، ورجال مسلحون.

وتقول الأم إنها حاولت تهيئة ابنتها نفسيًا قبل كل مشهد، فكانت تشرح لها أن ما يحدث تمثيل، وأن الممثلين الذين يرتدون أزياء الجنود هم أشخاص عاديون. وكانت تحرص على أن تلتقي بهم سيلا قبل التصوير وتلعب معهم، حتى لا تختلط عليها الصورة بين الواقع والتمثيل.

لكن رغم ذلك، تعترف شروق بأن بعض اللحظات خرجت عن إطار الأداء الفني. ففي أحد المشاهد التي تضمنت انفجارًا مفاجئًا، لم يُبلَّغ فريق العمل مسبقاً لإظهار رد فعل حقيقي، فانفجرت سيلا بالبكاء، وارتجف جسدها كما لو أنها عادت إلى بيتها في غزة. 

وتؤكد الأم أن تلك اللحظات لم تكن تمثيلاً، بل استعادة لذاكرة مخزنة في قلب طفلة صغيرة.

دعم إنساني في الكواليس

تشير شروق إلى أن فريق العمل كان على دراية بأن سيلا عاشت الحرب فعلاً، ولذلك أحاطوها بعناية خاصة. وكانوا يوقفون التصوير عندما يلاحظون خوفها الحقيقي، ويمنحونها وقتًا للراحة. 

وتقول الأم إن نظرات التعاطف من الممثلين والفنيين كانت صادقة، وتشعرها بأنهم يقفون إلى جانبها لا كمجرد زملاء عمل، بل كأشخاص يتفهمون وجعها.

كما ترى أن العمل لم يكن مجرد تجربة فنية، بل مساحة علاج نفسي غير مباشر. فمع تكرار المشاهد، بدأت سيلا تتأقلم مع الأجواء، وتفصل تدريجيًا بين ما عاشته وما تؤديه أمام الكاميرا. 

ومع انتهاء التصوير بعد نحو 45 يومًا، شعرت الطفلة بالحزن لأنها تعلقت بالأجواء وبالأشخاص الذين أحاطوها بالاهتمام.

image_2026-02-23_141944101
سيلا أثناء محاولة اقناعها أن هؤلاء الجنود مجرد ممثلين ليسوا جنود احتلال

تضامن صادقة 

تؤكد الأم أن أكثر ما منحها شعورًا بالفخر ليس فقط مشاركة ابنتها في عمل درامي، بل كون المسلسل يُنتج في مصر ويتناول معاناة غزة. تقول إن ذلك بدا لها كرسالة تضامن صادقة، وكأن الفن أصبح وسيلة لقول ما يصعب قوله في السياسة.

وتختم شروق حديثها بالتمني أن تكبر سيلا في أمان، وأن تكمل تعليمها وحياتها في مصر بعيدًا عن أصوات القصف. وإن أكثر ما تخشاه هو عودة صوت الحرب إلى أذن طفلتها، بينما أكثر ما تحلم به هو أن تبقى ذكريات الكاميرا أقوى من ذكريات الدمار، وأن تتحول التجربة من جرح مفتوح إلى حكاية تروى بشجاعة.