يثير حكم التعوذ بالله تعالى عند المرور بآيات الوعيد والعذاب أثناء الصلاة تساؤلات واسعة بين المسلمين، خاصة ممن يحرصون على تدبر القرآن الكريم في صلاة الليل أو النوافل، إذ يتوقف البعض عند الآيات التي تتحدث عن النار أو العقاب الإلهي، متسائلين: هل يجوز أن يستعيذ المصلي بالله من النار أثناء تلاوته؟ وهل يعد ذلك من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أم أن هذا الفعل قد يؤثر في صحة الصلاة؟

وفي هذا السياق، أوضحت دار الإفتاء المصرية الحكم الشرعي لهذه المسألة، مؤكدة أن التعوذ بالله عند المرور بآيات العذاب من السنن المستحبة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها تمثل صورة من صور تدبر القرآن الكريم والتفاعل مع معانيه أثناء الصلاة.

دار الإفتاء: التعوذ عند آيات الوعيد سنة نبوية مستحبة

أكدت دار الإفتاء المصرية أن من المستحب للمصلي إذا مر أثناء قراءته للقرآن الكريم بآية تتحدث عن العذاب أو الوعيد أن يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من النار ومن سخطه وعقابه، اقتداءً بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأوضحت أن هذا الأمر لا يقتصر على صلاة قيام الليل فقط، بل يشرع للمصلي كلما قرأ آيات الوعيد، إذا كان ذلك في موضعه، لأن المقصود من التلاوة ليس مجرد تحريك اللسان بالآيات، وإنما تدبر كلام الله واستحضار معانيه والخشوع بين يدي الله عز وجل.

وأضافت أن المسلم عندما يقف عند آيات الرحمة يسأل الله من فضله، وإذا مر بآيات العذاب يستعيذ بالله من النار، وإذا قرأ آيات التسبيح سبح الله تعالى، فيكون متفاعلًا مع القرآن قلبًا ولسانًا، وهو ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.

استشهدت دار الإفتاء بحديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، الذي وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيام الليل وصفًا دقيقًا، فقال:
صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة، فافتتح سورة البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، يقرأ مترسلًا، فإذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ

ويكشف هذا الحديث جانبًا مهمًا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، حيث لم تكن قراءته مجرد تلاوة متواصلة، وإنما كانت قراءة مليئة بالتدبر والخشوع والتفاعل مع معاني القرآن الكريم، فيقف عند كل آية بما يناسب معناها، فيسبح الله عند آيات التسبيح، ويدعوه عند آيات الرحمة، ويستعيذ به عند آيات العذاب.

التفاعل مع القرآن.. عبادة تزيد الخشوع وتحيي القلب

وأوضحت دار الإفتاء أن هذا الهدي النبوي يعلم المسلمين أن القرآن الكريم ليس كتابًا يُقرأ دون تدبر، وإنما هو كتاب هداية وتربية وإصلاح، ينبغي للمؤمن أن يعيش مع آياته، فيتأثر بوعده ووعيده، ويرجو رحمة الله ويخشى عقابه.

فكلما مر المسلم بآية تصف نعيم الجنة ازداد شوقًا إليها وسأل الله أن يجعله من أهلها، وإذا مر بآية تتحدث عن النار أو العذاب استشعر الخوف من الله وسارع إلى الاستعاذة به من عذابه، وهو ما يزيد القلب خشوعًا وإيمانًا.

لماذا يستحب التعوذ عند آيات العذاب؟

بين العلماء أن الاستعاذة بالله عند المرور بآيات الوعيد تحقق العديد من المقاصد الإيمانية والتربوية، ومن أهمها:

- تعظيم الله سبحانه وتعالى واستحضار جلاله وعظمته.
- تذكر أهوال يوم القيامة وما أعده الله للعصاة والكافرين.
- زيادة الخشوع والتدبر أثناء الصلاة.
- الجمع بين الخوف من الله والرجاء في رحمته.
- الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية التعامل مع القرآن الكريم.
- تربية النفس على سرعة اللجوء إلى الله كلما ذُكر العذاب أو العقوبة.

كما أن الوقوف عند آيات الوعيد يدفع المسلم إلى مراجعة نفسه والإكثار من التوبة والاستغفار والعمل الصالح، حتى يكون من أهل النجاة يوم القيامة.

وأشارت دار الإفتاء إلى الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والذي يبين مدى اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه أدعية الاستعاذة، فقال:

قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ونعوذ بك من عذاب القبر، ونعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات

وأكدت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم هذا الدعاء لأصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن، وهو ما يدل على عظيم شأنه، وأهمية المداومة عليه في الصلاة، لما يشتمل عليه من الاستعاذة من أخطر الفتن وأشد أنواع البلاء في الدنيا والآخرة.

جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعاذة من عذاب جهنم في مقدمة الأدعية التي يرددها المسلم في صلاته، لما يمثله هذا العذاب من أشد العقوبات وأعظمها، ولأن النجاة من النار هي الفوز الحقيقي الذي يسعى إليه كل مؤمن.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بالسلامة من النار، ويحث أصحابه على ذلك، حتى يظل المؤمن دائم الخوف من الله، راجيًا رحمته وعفوه.

كما تضمنت الأدعية النبوية الاستعاذة من عذاب القبر، وهو أمر دلت عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه جمهور علماء أهل السنة والجماعة.

وأوضحت دار الإفتاء أن الإيمان بعذاب القبر ونعيمه من مسائل العقيدة الإسلامية الثابتة، وأن النصوص الشرعية الواردة في ذلك كثيرة ومتضافرة، مما يؤكد أهمية الإكثار من الدعاء بالنجاة منه

فتنة المسيح الدجال.. أعظم فتنة تواجه البشرية

ومن أعظم ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته الاستعاذة من فتنة المسيح الدجال، التي وصفها بأنها أعظم فتنة تقع للبشر منذ خلق الله آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة.

وقد روى الإمام مسلم عن هشام بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال

وفي رواية أخرى:

أمر أكبر من الدجال

وتبرز هذه الأحاديث مدى خطورة هذه الفتنة، وسبب حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يردد المسلمون الدعاء بالاستعاذة منها في كل صلاة.