مع حلول شهر المحرم، يزداد اهتمام المسلمين بالأعمال الصالحة والطاعات التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي في مقدمتها صيام الأيام البيض، التي تُعد من السنن النبوية المستحبة لما لها من فضل عظيم وأجر كبير. ويثور في هذا التوقيت سؤال يتكرر كل شهر بين كثير من المسلمين: هل يجوز الاكتفاء بصيام يوم واحد فقط من الأيام البيض؟ وهل يحصل المسلم على ثوابها إذا لم يتمكن من صيام الأيام الثلاثة كاملة؟

وفي هذا السياق، أوضح الشيخ عويضة عثمان، مدير إدارة الفتوى الشفوية بدار الإفتاء المصرية، الحكم الشرعي المتعلق بصيام الأيام البيض، مبينًا أن الشريعة الإسلامية جاءت بالتيسير ورفع الحرج عن المسلمين، مع بيان الأفضل والأكمل في أداء هذه السنة النبوية.

أكد الشيخ عويضة عثمان أن من السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام ثلاثة أيام من كل شهر هجري، والأفضل أن تكون أيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وهي الأيام المعروفة بالأيام البيض.

واستدل بما رواه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه، قال:

«أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام». متفق عليه.

وأوضح أن هذا الحديث الشريف يدل على عظيم فضل المحافظة على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لما فيه من الأجر والثواب ودوام الصلة بالله سبحانه وتعالى.

أوضح مدير إدارة الفتوى الشفوية أن الأصل في السنة هو صيام الأيام الثلاثة كاملة، لأنها الوصية النبوية الثابتة، إلا أن من لم يستطع صيامها جميعًا، فله أن يصوم ما استطاع منها.

وأشار إلى أن من صام يومًا واحدًا أو يومين فقط فإنه يُثاب على ما صامه، ولا يأثم بترك باقي الأيام، لكنه لا ينال الثواب الكامل المترتب على صيام الأيام الثلاثة.

ما لا يُدرك كله لا يُترك جله أي أن المسلم لا يترك العبادة كلها إذا عجز عن إتمامها كاملة، وإنما يؤدي منها ما يستطيع.

إذا فاتتك الأيام البيض.. هل يمكن تعويضها؟

أكد الشيخ عويضة عثمان أن من لم يتمكن من صيام الأيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فإنه يجوز له صيام أي ثلاثة أيام أخرى خلال الشهر الهجري، ولا حرج عليه في ذلك.

واستشهد بما كان يروى عن الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه، حيث كان يقول:

"لا أبالي من أي أيام الشهر صمت."

ويفهم من ذلك أن المقصود الأساسي هو المحافظة على صيام ثلاثة أيام من الشهر، بينما يبقى تخصيص الأيام البيض هو الأفضل والأكمل اتباعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

لماذا يفضل صيام الأيام 13 و14 و15؟

رغم جواز صيام أي ثلاثة أيام من الشهر، إلا أن السنة دلت على استحباب تخصيص الأيام البيض بالصيام.

واستدل الشيخ عويضة عثمان بما رواه أبو ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«إذا صمت من الشهر ثلاثًا، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة».

وروى هذا الحديث الإمام الترمذي، وقال عنه: حديث حسن.

ولذلك فإن العلماء أكدوا أن صيام هذه الأيام هو الأفضل والأعظم أجرًا، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

هل يشترط أن تكون الأيام الثلاثة متتابعة؟

من المسائل التي يكثر السؤال عنها أيضًا، اشتراط التتابع في صيام الأيام الثلاثة.

وأوضح العلماء أن التتابع ليس شرطًا لصحة هذه السنة، فيجوز للمسلم أن يصوم ثلاثة أيام متفرقة خلال الشهر الهجري، ويحصل على أجر السنة بإذن الله.

ومع ذلك، فإن الأفضل هو صيام الأيام البيض الثلاثة متتالية كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أوضحت دار الإفتاء المصرية أن من نسي صيام اليوم الثالث عشر، فلا حرج عليه في صيام اليومين الرابع عشر والخامس عشر.

وأضافت أن من أراد زيادة التطوع بعد ذلك، فله أن يصوم يومًا آخر من الشهر، إلا أن هذا اليوم لا يُعد من الأيام البيض، وإنما يدخل في عموم صيام التطوع.

وأكدت الدار أن المقصود هو استمرار المسلم في الطاعات وعدم الانقطاع عنها بسبب فوات جزء منها.

فضل صيام الأيام البيض في ميزان السنة النبوية

يرجع فضل صيام الأيام البيض إلى الأحاديث النبوية الكثيرة التي رغبت فيها، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قال فيه:

«أوصاني خليلي بثلاث: صيام الأيام البيض من كل شهر، وركعتي الضحى، والوتر قبل النوم.»
ويعد هذا الحديث من أعظم الأدلة على استحباب المحافظة على هذه العبادة بصورة مستمرة طوال العام.

حكم صيام يوم الجمعة إذا وافق الأيام البيض أو مناسبة شرعية

كما تناولت دار الإفتاء المصرية حكم إفراد يوم الجمعة بالصيام، موضحة أن الأصل هو كراهة تخصيص يوم الجمعة وحده بالصيام دون سبب.

لكنها أكدت أن هذه الكراهة تزول إذا وافق يوم الجمعة مناسبة شرعية أو عادة اعتادها المسلم.

ومن أمثلة ذلك:

إذا وافق يوم عرفة.

إذا وافق يوم عاشوراء.

إذا وافق أحد الأيام البيض.

إذا كان المسلم يصوم يومًا ويفطر يومًا.

إذا كان يصوم قضاءً عن رمضان.

إذا كان قد نذر صيام يوم معين فوافق يوم الجمعة.