أسدل مجلس التأديب المختص بجامعة الأزهر الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل الوسط الجامعي خلال السنوات الأخيرة، بإصدار قرار بعزل الدكتور محمد توفيق محمد علي حديد، المدرس بقسم أصول اللغة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بدسوق، وذلك بعد سلسلة طويلة من التحقيقات والشكاوى والإجراءات التأديبية التي امتدت على مدار سنوات عديدة.

وجاء قرار العزل بعد نظر ملف متشعب تضمن وقائع متعددة ومخالفات متنوعة، اعتبرت الجهات المختصة أنها تمثل خروجًا على مقتضيات الواجب الوظيفي والقيم الجامعية، فضلًا عن تكرار المخالفات واستمرارها رغم ما وصفته الجامعة بمنحه فرصًا متتالية لتصحيح مساره المهني والأكاديمي.

بداية مبكرة للخلافات داخل الجامعة

تكشف المستندات وسجل الخدمة أن الخلافات والمشكلات المنسوبة إلى الدكتور محمد توفيق حديد لم تكن وليدة السنوات الأخيرة، بل تعود إلى بدايات عمله داخل الجامعة.

فمنذ تعيينه عضوًا بهيئة التدريس، أحيل إلى التحقيق رقم (30) لسنة 2003 بسبب ما وصف حينها بكثرة المشاغبة داخل بيئة العمل الجامعي، قبل أن تتطور الأمور إلى إحالته لمجلس تأديب عام 2004 نتيجة شكاوى تتعلق بسوء السلوك المهني والتطاول على بعض الزملاء والطعن في الأعراض، وهي وقائع رأت الجهات المختصة آنذاك أنها لا تتفق مع طبيعة الرسالة الأكاديمية التي يفترض أن يحملها عضو هيئة التدريس.

وتشير الوقائع إلى أن تلك المرحلة المبكرة شهدت أولى العقوبات والإجراءات الإدارية التي اتخذت بحقه، في محاولة لاحتواء الأزمة وإنهاء حالة التوتر داخل الكلية.

ففي عام 2004 تم تحويله إلى وظيفة إدارية بعدما أمضى ست سنوات دون الانتهاء من إعداد رسالة الماجستير، وهو ما اعتبرته الجهات المختصة إخفاقًا في استيفاء المتطلبات الأكاديمية اللازمة للاستمرار في المسار الجامعي.

لكن الجامعة أعادت منحه فرصة جديدة بعد حصوله على درجة الماجستير، وأعادته إلى وظيفته الأكاديمية أملاً في استقراره المهني واستكمال مسيرته العلمية.

غير أن الأزمة تكررت مرة أخرى في عام 2011، حين جرى تحويله مجددًا إلى وظيفة إدارية بسبب عدم الانتهاء من رسالة الدكتوراه رغم مرور خمس سنوات كاملة بالإضافة إلى فترة المد القانونية.

وبعد حصوله على الدكتوراه أعيد مرة أخرى إلى العمل الأكاديمي، في خطوة وصفتها الجامعة بأنها جاءت حرصًا على مصلحته وإيمانًا بإمكانية التزامه بالقواعد المهنية والجامعية مستقبلاً.

لم تتوقف الوقائع عند الجوانب الأكاديمية، إذ شهد عام 2014 إحالة الدكتور محمد توفيق حديد إلى التحقيق بشأن مخالفات متعلقة بالقواعد والأحكام المالية المعمول بها.

وأحيلت الواقعة إلى النيابة الإدارية التي انتهت إلى توقيع جزاء تأديبي تمثل في خصم عشرة أيام من راتبه، استنادًا إلى القرار رقم (321) لسنة 2016 في القضية رقم (188) لسنة 2015.

وشكلت هذه الواقعة محطة جديدة في سلسلة الإجراءات التأديبية التي واجهها خلال فترة عمله بالجامعة.

مع مرور الوقت انتقلت الخلافات من الإطار الجامعي التقليدي إلى فضاء التواصل الاجتماعي.

فوفق ما ورد في التحقيقات، قام الدكتور محمد توفيق حديد بإنشاء كيان حمل اسم "مركز الإمام للدراسات القرآنية"، وأطلق صفحة إلكترونية وموقعًا عبر الإنترنت باسمه، كما قام بالترويج لهذا المركز داخل الحرم الجامعي.

وترى الجامعة أن إنشاء هذا الكيان تم دون الحصول على التراخيص والموافقات المطلوبة من جهة العمل، وهو ما ترتب عليه توقيع عقوبة الإنذار بحقه عام 2016 مع مطالبته بتصحيح الوضع القانوني.

إلا أن الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ استمرت المنشورات والأنشطة المرتبطة بالصفحة الإلكترونية، لتتحول لاحقًا إلى محور رئيسي في التحقيقات التأديبية اللاحقة.

بحسب ما ورد في ملف القضية، تلقت الجامعة عددًا كبيرًا من الشكاوى المقدمة من قيادات وأعضاء هيئة تدريس وعاملين، تضمنت اعتراضات على ما تم نشره عبر الصفحة المشار إليها.

وشملت قائمة المتضررين شخصيات أكاديمية وإدارية بارزة، من بينهم فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية، والأستاذ الدكتور محمود صديق نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا، والأستاذ الدكتور محمد محمود عبد الرحمن الصفتي عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدسوق، إضافة إلى عدد من الأساتذة والعمداء ووكلاء الكليات والعاملين.

وأكد مقدمو الشكاوى أن المنشورات المتداولة تضمنت عبارات رأوا أنها تنال من سمعتهم أو تتضمن اتهامات وإساءات وتشهيرًا دون تقديم أدلة قانونية تثبت صحتها.

تضمنت الشكاوى كذلك بلاغات من الأستاذ الدكتور عزت شحاتة كرار، أستاذ ورئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم جامعة المنيا، والأستاذ الدكتور عبد العزيز موسى الدبور رئيس قسم العقيدة والفلسفة بالكلية، والأستاذ الدكتور غانم السعيد محمد غانم أستاذ الأدب والنقد والعميد السابق لكليتي الإعلام واللغة العربية.

كما وردت شكاوى أخرى من الأستاذة الدكتورة هبة الله سعودي، ومن عدد من القيادات الإدارية والعاملين الذين أكدوا تضررهم من المنشورات المتداولة أو من تدخلات اعتبروها خارج نطاق الاختصاص الوظيفي

تشير الوقائع إلى أن الجامعة اتخذت أكثر من إجراء تأديبي قبل الوصول إلى قرار العزل.

فقد صدر قرار بإيقافه عن العمل لمدة ثلاثة أشهر في مايو 2025 على خلفية ما نسب إليه من مخالفات متعلقة بالنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبعد ذلك صدر قرار آخر بإيقافه عن العمل لمدة ثلاثة أشهر إضافية في ديسمبر من العام نفسه.

وترى الجامعة أن هذه الإجراءات جاءت في إطار منح فرص متكررة لمراجعة المواقف وتصحيح المسار قبل اللجوء إلى أقصى العقوبات التأديبية.

انتهى مجلس التأديب، وفق القرار رقم (1122) لسنة 2026 الصادر بتاريخ 13 يونيو 2026، إلى ثبوت عدد من المخالفات الرئيسية، أبرزها:

إنشاء وإدارة منصة إلكترونية دون موافقة جهة العمل

أكد المجلس أن عضو هيئة التدريس أنشأ وأدار صفحة وموقعًا إلكترونيًا تحت اسم "مركز الإمام للدراسات القرآنية" دون الحصول على الموافقات والتراخيص اللازمة من الجامعة

ورأى المجلس أن الصفحة تضمنت نشر أخبار وادعاءات ومعلومات غير صحيحة تضمنت إساءات وتشهيرًا بقيادات الجامعة وبعض العاملين بها.

الإساءة إلى شخصيات أكاديمية

كما انتهى المجلس إلى ثبوت نشر وقائع غير صحيحة بحق عدد من الأساتذة الجامعيين، وما ترتب على ذلك من أضرار معنوية ومهنية.

التدخل في أعمال لا تدخل ضمن الاختصاص الوظيفي

وثبت كذلك، بحسب القرار، تدخله في بعض الأمور الإدارية والمالية وطلبه الاطلاع على مستندات لا ترتبط بمهام عمله، وهو ما اعتبر سببًا في تعطيل بعض الأعمال الإدارية.

ماذا قال عضو هيئة التدريس في دفاعه؟

أظهرت أوراق الدعوى أن الدكتور محمد توفيق حديد حضر جلسات المرافعة وأبدى دفاعه أمام مجلس التأديب.

وأوضح خلال التحقيقات أنه صاحب ومدير الصفحة الإلكترونية المشار إليها، وأن الهدف من إنشائها كان الكشف عما اعتبره وقائع فساد داخل الجامعة، مشيرًا إلى وجود خلافات مرتبطة بمستحقات مالية وعلاوات خاصة قال إنها لم تصرف له.

كما أقر بواقعة نشر معلومات تتعلق بالأستاذة الدكتورة هبة الله سعودي، مؤكدًا أنه قام بحذف المنشور بعد التحقق من عدم صحة المعلومات الواردة فيه.

رفض التعاون الكامل مع التحقيقات

وبحسب ما انتهت إليه التحقيقات، فإن عضو هيئة التدريس رفض التوقيع على بعض أقواله، كما تغيب لاحقًا عن عدد من جلسات التحقيق والاستدعاءات الرسمية.

ورأت لجان التحقيق أن ذلك حال دون الوصول السريع إلى بعض الحقائق والوقائع، وأثر على سير الإجراءات التأديبية التي استمرت لفترات طويلة.
في حيثيات القرار، أكد مجلس التأديب أن الوقائع محل التحقيق لم تكن حادثة منفردة أو تصرفًا عابرًا، وإنما مثلت ـ بحسب توصيف المجلس ـ نمطًا متكررًا ومستمرًا من السلوك امتد عبر سنوات.

وأشار المجلس إلى أن القانون وفر جميع الوسائل القانونية المشروعة للإبلاغ عن أي وقائع فساد أو الاعتراض على القرارات الإدارية أو المالية، سواء من خلال الشكاوى الرسمية أو الطعون القانونية أو جهات التحقيق المختصة.

غير أن المجلس رأى أن اللجوء إلى النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتوجيه اتهامات وادعاءات دون تقديم أدلة قانونية كافية، يمثل مخالفة جسيمة لمقتضيات الوظيفة الجامعية والقواعد المنظمة للعمل الأكاديمي.