مع بدء توافد ملايين المسلمين إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، تتجدد الأسئلة المتعلقة بالأحكام الشرعية الخاصة بالحالات المرضية والإنسانية، خاصة مع وجود أعداد كبيرة من كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة الذين يحتاجون إلى وسائل طبية أو تسهيلات معينة تساعدهم على أداء المناسك دون مشقة أو ضرر.

وفي هذا السياق، حسمت دار الإفتاء المصرية الجدل حول حكم ارتداء الحذاء الطبي للمحرم من ذوي الإعاقة أثناء الحج، موضحة الضوابط الشرعية المتعلقة بذلك، وما إذا كان الأمر يستوجب فدية أم لا، إلى جانب التأكيد على عدد من القواعد الفقهية التي تعكس سماحة الشريعة الإسلامية وحرصها على التيسير ورفع الحرج عن المكلفين.

وجاءت فتوى دار الإفتاء ردًا على سؤال ورد من أحد الحجاج أوضح فيه أنه يعاني من إعاقة جسدية تتمثل في أن ساقه اليسرى أقصر من اليمنى، الأمر الذي يجعله مضطرًا إلى استخدام حذاء طبي خاص لتعويض فرق الطول ومساعدته على الحركة بصورة طبيعية.

وأوضح السائل أنه يستعد لأداء مناسك الحج هذا العام، ويريد معرفة الحكم الشرعي الخاص بارتداء الحذاء الطبي أثناء الإحرام، خاصة خلال الطواف والسعي داخل المسجد الحرام، متسائلًا أيضًا عما إذا كان رباط الحذاء الطبي يُعد من المخيط المحظور على المحرم، وهل يترتب على استخدامه فدية شرعية أم لا.

وأكدت دار الإفتاء المصرية في ردها أن الشريعة الإسلامية راعت الظروف الصحية والإنسانية للناس، ولم تجعل أداء العبادات سببًا في وقوع المشقة أو الإضرار بالنفس، موضحة أن ارتداء الحذاء الطبي في مثل هذه الحالات يُعد من قبيل الضرورة أو الحاجة المعتبرة شرعًا.

وأضافت أن المحرم المعاق يجوز له ارتداء الحذاء الطبي أثناء أداء المناسك، سواء خلال الطواف أو السعي أو التنقل داخل المشاعر المقدسة، طالما أن استخدامه مرتبط بحالة طبية حقيقية وليس من باب الزينة أو الرفاهية.

كما أوضحت أن الرباط الخاص بالحذاء الطبي لا يغير من الحكم الشرعي، ولا يُنظر إليه باعتباره مانعًا مستقلًا، ما دام الحذاء مستخدمًا لغرض علاجي ضروري يساعد صاحبه على الحركة وتجنب الأذى.

ورغم إجازة ارتداء الحذاء الطبي للمحرم المعاق، أوضحت دار الإفتاء أن ذلك يندرج ضمن محظورات الإحرام التي أبيحت للضرورة، وبالتالي فإنه يستوجب الفدية الشرعية.

وبيّنت الإفتاء أن الحاج في هذه الحالة يكون مخيرًا بين ثلاثة أمور حددتها الشريعة الإسلامية، وهي:

ذبح شاة.

أو صيام ثلاثة أيام.

أو إطعام ستة مساكين.


وأكدت دار الإفتاء أنه يجوز للحاج إخراج القيمة المالية للإطعام بدلًا من تقديم الطعام بصورة مباشرة، تيسيرًا على الحجاج ومراعاة للظروف التنظيمية الحديثة المتعلقة بالحج.

وشددت دار الإفتاء على أن هذه الفتوى تنطلق من مقاصد الشريعة الإسلامية القائمة على التيسير ورفع الحرج عن الناس، خاصة أصحاب الأعذار والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة.

واستشهدت بالقواعد الفقهية الكبرى التي تؤكد أن “المشقة تجلب التيسير”، وأن “الضرورات تبيح المحظورات”، وهي قواعد تهدف إلى حماية الإنسان وتخفيف الأعباء عنه في العبادات والمعاملات.

وأكدت أن الإسلام دين رحمة وسماحة، ولم يفرض على المكلفين ما يوقعهم في العنت أو المشقة غير المحتملة، بل فتح أبواب الرخص الشرعية أمام من يحتاجون إليها بسبب المرض أو العجز أو الظروف الخاصة.

وأوضحت دار الإفتاء أن فريضة الحج ترتبط في أصلها بمفهوم الاستطاعة، مستشهدة بقول الله تعالى:
“ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا”.

وأكدت أن الاستطاعة لا تقتصر فقط على القدرة المالية، بل تشمل أيضًا القدرة البدنية والصحية، ولذلك جاءت الرخص الشرعية لتمنح أصحاب الأمراض والإعاقات فرصة أداء الفريضة دون أن يتحول الأمر إلى معاناة أو ضرر جسدي.

كما شددت على أن المقصود من الحج هو تحقيق الخشوع والتقرب إلى الله، وليس تعذيب النفس أو تحميلها فوق طاقتها.

وتأتي هذه الفتاوى في ظل تزايد اهتمام المؤسسات الدينية بتوضيح الأحكام الفقهية المتعلقة بالحالات الخاصة خلال موسم الحج، خاصة مع التطور الطبي وظهور وسائل علاجية وأجهزة مساعدة يحتاج إليها الكثير من الحجاج.