يثير اتجاه الطواف حول الكعبة المشرفة تساؤلات لدى كثير من المسلمين حول الحكمة من أدائه عكس اتجاه عقارب الساعة، وما إذا كان لذلك بعدٌ رمزي أو دلالة روحية خاصة.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور محمود الأبيدي أن حركة الطواف ليست مجرد أداء شعائري شكلي، بل تحمل معاني عميقة تتصل بروح الإنسان وعلاقته بخالقه، وتمثل حالة من التجدد الداخلي والبدء من جديد في حياة العبد مع الله تعالى.
الطواف.. رمز للتجدد ومحو الذنوب
وبيّن الأبيدي أن الطواف حول الكعبة يعكس دلالة روحية تتجاوز الحركة الجسدية، حيث يرى بعض المتأملين في الفلسفة الإسلامية أن هذا الاتجاه يرمز إلى إعادة ترتيب الداخل الإنساني، وكأن الإنسان يبدأ صفحة جديدة خالية من آثار الماضي.
وأضاف أن هذه الحركة تحمل معنى رمزيًا يرتبط بمحو الأخطاء والذنوب، والعودة إلى ما وصفه بـ“نقطة الصفر الروحية”، حيث يقف الإنسان أمام ربه متجردًا من كل ما مضى، راغبًا في بداية نقية خالصة.
انسجام العبادة مع فطرة الإنسان
وأشار العالم الأزهري إلى أن الطواف لو أُدي في اتجاه معاكس لكان أكثر مشقة على الإنسان، بينما جاء في صورته الحالية متسقًا مع حركة الجسد وانسيابيته الطبيعية، وهو ما يعكس حكمة إلهية في جعل العبادة متوافقة مع الفطرة البشرية.
وأكد أن هذا الانسجام بين التكليف الشرعي والطبيعة الإنسانية يعزز من سهولة أداء الشعائر، ويجعلها أقرب إلى القلب وأبعد عن التعقيد أو المشقة غير المبررة.
ولفت الأبيدي إلى أن الحاج أثناء الطواف يترك خلفه مشاغل الدنيا وتعلقاتها، متوجهًا بقلبه وجسده إلى بيت الله الحرام، وكأنه يعلن بداية جديدة خالصة لله تعالى، لا مكان فيها لأثقال الماضي أو ارتباطات الحياة اليومية.
وأوضح أن هذه الحالة الروحية تمثل جوهر الحج، حيث يتحول الإنسان من دائرة الانشغال الدنيوي إلى فضاء من الصفاء الروحي والتجرد الكامل
الإخلاص والتجرد.. جوهر رحلة الإيمان
وأكد أن من أهم المعاني المستفادة من الحج والعمرة هو الإخلاص في النية والتجرد من كل ما سوى الله، مشيرًا إلى أن هذه الرحلة الإيمانية تقوم على صدق التوجه إلى الخالق دون اعتماد على الأسباب المادية وحدها.
وأضاف أن الحاج يستحضر في هذه اللحظات معنى التوكل الكامل على الله، إدراكًا أن التوفيق والهداية بيد الله وحده.
«لا حول ولا قوة إلا بالله».. درس الحج الأعمق
وشدد العالم الأزهري على أن من أعظم الدروس التي يستخلصها المسلم من الحج هو إدراك محدودية الإنسان واعتماده الكامل على ربه، مستشهدًا بالمعنى الإيماني لقوله تعالى: «لا حول ولا قوة إلا بالله».