ظاهرة تتفاقم وسؤال يفرض نفسه في ظل عالم تتزايد فيه صور التعدي على الحقوق، ويختلط فيه الحق بالباطل، يبرز سؤال ملحّ: ماذا ينتظر الظالمين يوم القيامة؟ هذا التساؤل لم يعد مجرد قضية فكرية، بل أصبح هاجسًا يؤرق ضمير المجتمعات، خاصة مع اتساع رقعة الظلم بأشكاله المختلفة وفي هذا السياق، يقدّم الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رؤية شرعية عميقة تكشف أبعاد هذه الظاهرة وعواقبها الأخروية، مستندًا إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية.
الظلم والظلام
علاقة تتجاوز المعنى اللغوي يبدأ التحليل من نقطة جوهرية، حيث يربط العلماء بين "الظلم" و"الظلام"، ليس فقط من حيث الاشتقاق اللغوي، بل من حيث التأثير والمعنى. فالظلام يحجب الرؤية ويعمي البصيرة، وكذلك الظلم حين يستقر في قلب الإنسان، يجعله عاجزًا عن إدراك الحقائق، فاقدًا للتمييز بين الصواب والخطأ.
ويؤكد هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، حيث جعل الله النور رمزًا للهداية، في مقابل الظلمات التي تمثل الضلال والانحراف ومن هنا، يصبح الظلم خروجًا عن دائرة النور الإلهي، وانغماسًا في عتمة روحية وأخلاقية.
تحريم إلهي مطلق
الظلم خط أحمر من أخطر ما يلفت الانتباه أن الله سبحانه وتعالى حرّم الظلم على نفسه، وهو القادر على كل شيء، في رسالة واضحة للخلق بأن هذا الفعل مرفوض بشكل قاطع. ورغم أن الله لا يُسأل عما يفعل، فإن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وسيحاسب على كل تجاوز.
هذا التحريم الإلهي يضع الظلم في مرتبة من أخطر الذنوب، ويؤكد أن أي ممارسة له، مهما كانت مبرراتها، تظل خروجًا عن المنهج الرباني.
تحذيرات نبوية صارمة
الظلم ظلمات يوم القيامة تتجلى خطورة الظلم في الحديث النبوي الشريف: «الظلم ظلمات يوم القيامة»، وهو تعبير بليغ يلخص مصير الظالم، حيث يتحول ظلمه في الدنيا إلى ظلمات تحيط به في الآخرة.
ولم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالتحذير العام، بل شدد على خطورة دعوة المظلوم، قائلاً: «اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» هذا التحذير يكشف عن عدالة إلهية لا تتأخر، حيث تصل شكوى المظلوم مباشرة إلى الله، دون وسائط أو حواجز.
واللافت أن هذه الدعوة مستجابة حتى لو كان المظلوم غير مسلم، فما بالك إذا كان مؤمنًا صالحًا أو من أولياء الله؟ هنا تتضاعف خطورة الظلم، وتتعاظم عواقبه.
مشهد من السيرة
النبي يحذر من مصير الظالمين في موقف مؤثر، يروي عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بمنطقة "الحِجر"، وهي ديار قوم عُذبوا بسبب ظلمهم وشركهم. فنهى أصحابه عن دخولها إلا وهم باكون، محذرًا من أن يصيبهم ما أصاب أولئك القوم.
ولم يكن هذا التحذير مجرد قول، بل ترجمه النبي إلى سلوك عملي، حيث غطّى رأسه وأسرع في السير، في مشهد يعكس خشية عظيمة من الله، رغم أنه المعصوم. هذا التصرف النبوي يرسخ في الأذهان خطورة الظلم، ويجعل من أماكن العذاب عبرة للأحياء.