في واحدة من القضايا التي تشغل أذهان شريحة واسعة من المسلمين، خاصة ممن يسعون إلى تصحيح مسارهم الديني بعد فترات من التقصير، يبرز سؤال ملحّ: كيف يمكن قضاء الصلوات الفائتة إذا كان عددها غير معلوم بدقة؟

هذا التساؤل، الذي يتكرر في دوائر الفتوى والبحث الديني، حسمت ملامحه دار الإفتاء المصرية، واضعة إطارًا واضحًا يجمع بين التيسير والانضباط الشرعي، ويؤكد في الوقت ذاته أن الطريق إلى براءة الذمة لا يمر عبر التمني أو الاستغفار فقط، بل عبر أداء ما فات فعليًا.

القضاء واجب لا يسقط

أكدت دار الإفتاء، عبر أمناء الفتوى، أن الصلوات التي تركها الإنسان عمدًا أو تهاونًا تظل دينًا في ذمته، ولا تسقط بمجرد التوبة اللفظية أو الاستغفار، بل لا بد من قضائها فعليًا.

وفي هذا السياق، شدد الشيخ أحمد وسام على أن التوبة الصادقة تقتضي العمل، وأن أول خطواتها هو السعي الجاد لتعويض ما فات من الفرائض، باعتبار الصلاة ركنًا أساسيًا لا يقوم الدين إلا به.

أمام صعوبة تحديد عدد الصلوات الفائتة بدقة، خاصة إذا امتد التقصير لسنوات طويلة، قدمت دار الإفتاء حلًا عمليًا يقوم على مبدأ "غالب الظن".

ويعني ذلك أن يسترجع الإنسان الفترات التي لم يكن فيها ملتزمًا بالصلاة، أو كان يؤديها بشكل متقطع، ثم يضع تقديرًا تقريبيًا لعدد الصلوات، على أن يميل هذا التقدير إلى الزيادة احتياطًا، حتى يتيقن أنه أدى ما عليه من حقوق لله تعالى.

ويُعد هذا المنهج، بحسب الفقهاء، من صور التيسير التي تراعي طبيعة الإنسان، دون أن تفرط في حقوق العبادات.

برنامج عملي للقضاء.. خطوة بخطوة نحو براءة الذمة

من الناحية التطبيقية، أوصت دار الإفتاء باتباع خطة تدريجية تساعد على الاستمرار دون مشقة مفرطة، حيث يمكن للمسلم أن يقضي صلاة فائتة مع كل صلاة حاضرة، أو أكثر من ذلك بحسب قدرته.

وأوضح الشيخ محمود شلبي أن هذا الأسلوب يحقق التوازن بين أداء الفروض الحالية وتعويض ما فات، دون أن يشعر الإنسان بالإرهاق أو اليأس، وهو ما يعزز الاستمرارية حتى إتمام القضاء.

كما دعا إلى الاجتهاد في تقدير المدة الزمنية للتقصير، سواء كانت أيامًا أو شهورًا أو سنوات، والعمل على تغطيتها تدريجيًا وفق خطة واضحة

في الحالات التي يستحيل فيها تحديد عدد الصلوات أو السنوات بشكل دقيق، طمأنت دار الإفتاء السائلين بأن الشريعة لا تقوم على التعسير، بل على التيسير، مستندة إلى القاعدة القرآنية: "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها".

وبناءً على ذلك، يُطلب من المسلم أن يبذل ما في وسعه، ويستمر في القضاء حتى يغلب على ظنه أنه أدى ما عليه، دون الوقوع في وساوس أو مبالغات مرهقة.

أكدت الفتوى أن الله سبحانه وتعالى يقبل توبة عباده مهما بلغت ذنوبهم، وأن الندم الصادق والعزم على عدم العودة إلى التقصير يمثلان أساس التوبة المقبولة.