"نحن في مرحلة تحيا فيها فلسطين كلها تحت الحصار، بينما تعيش غزة الحصار الكبير"… بهذه الكلمات الموجزة وصف "عبد القادر فيصل الحسيني"- الناشط المجتمعي ورئيس مؤسسة "فيصل الحسيني" وعضو المجلس المركزي الفلسطيني- حال فلسطين اليوم، بينما يستحضر المقاربة بين ما يجري فيها الآن بعد حرب الإبادة في غزة، وبين صورة النكبة عام 1948، في الجزء الثالث من حواره الخاص لجريدة وموقع اليوم في الذكرى 78 لاستشهاد جده المناضل "عبد القادر الحسيني".
الإبادة سياسة لا تتغير

بدأ "الحسيني" الحفيد بتلك المقاربة بين إبادة حدثت في دير ياسين، عقب يوم واحد من استشهاد أيقونة جيش الجهاد المقدس "الحسيني" الجد، وتحدث عنها "موشي ديان"- وزير دفاع الاحتلال- بأنها أهم أسباب قيام كيانهم السرطاني، وبين حرب الإبادة التي تلت تحرك المقاومة الفلسطينية يوم السابع من أكتوبر 2023، الذي عرف باسم معركة طوفان الأقصى.
ومن ذكريات الأسرة وما رواه الأب قال: الإبادة ذاتها هي نفس السياسة لم تتغير، لكن فرق واحد ظهر جليا في جانبين:
الأول: أن الفلسطينيين تعلموا الدرس، وهذا ما شاهدناه بأعيننا ليس في طوفان الأقصى بعد 7 أكتوبر وحده، إنما كان موجودًا في الانتفاضة الثانية في جنين، حينما دخلت قوات الاحتلال المخيم، وراحت تهدمه كله، بينما أصر أهله على البقاء فيه بين الأنقاض رافضين تركه، وعاد من اضطر لتركه فورا في اللحظة الأولى لوقف إطلاق النار- وهذا ما شاهدته بعيني حين ذهبت إلى المخيم، وبالمثل في غزة، حيث وعى أهلها الأمور وأعلنوا رفضهم للتهجير، لعلمهم أنهم إن تركوا مواقعهم لن يعودوا، وهو ما لا يريدون الوصول إليه.
والثاني: هو العمل الممتاز للجانب المصري، حين منع محاولات التهجير وتصدى له، وحال دون أن يحدث تدفق للناس إلى مصر عبر معبر رفح، ما دلل على وعيه بما يحاك، وعدم رغبته في تكرار ما حدث من قبل، حين تم ترحيل الناس إلى: لبنان والأردن وسوريا، وتحولوا إلى لاجئين…
وذلك على الرغم من حجم الإبادة المهول الذي حدث في القطاع، فهو شيء في اعتقادي لم يسبق له مثيل في التاريخ، إن نظرنا إلى المساحة وعدد السكان، ونسبة الناس التي قتلت أو جرحت أو أصيبت بإعاقات.
معادلة المكاسب والخسائر

نظرة الناشط المجتمعي لملابسات معركة طوفان الأقصى وما لحق بها من إبادة وازنت بين حجم الخسائر مقارنة بالمكاسب التي تم الحصول عليها، وعليه قال "الحسيني" الحفيد عن نتائجها الملموسة:
من المهم دائماً أن يشعر الأسرى أنهم سيخرجون ذات يوم؛ وفي الحالة الفلسطينية يوجد أكثر من رأي حتى بين الأسرى أنفسهم على معركة طوفان الأقصى، فنجد تساؤلات بين الأسرى المحررين أنفسهم على أكثر من شيء، أولها: لماذا لم تكن 7 أكتوبر عملية عسكرية بحتة؟ لماذا امتدت إلى أكثر من ذلك؟ لماذا حدثت تلك الفوضى عندما خرج الأهالي ونفذوا أعمال غير عسكرية؟ وعليه برز سؤال فلسطيني يقول: هل ثمن خروج الأسرى يتناسب مع حجم الخسائر؟ وهل يوجد اليوم أسرى أقل أو أكثر في سجون الاحتلال؟ وما وضعهم الحالي؟ وهل ثمة أمل في خروجهم؟ وغيرها كثير من المراجعات والأسئلة في فلسطين.
وعلى الجانب الآخر- وأعتقد أنه الأهم، هو كيف تغيرت نظرة الناس في العالم إلى إسرائيل؟ بينما كان العالم ينظر اليها سابقا على أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، اليوم هي نظام الفصل العنصري (الأبرتايد Apartheid) الوحيد في المنطقة؛ أما الشارع الإسرائيلي، فقد كان قديما ينظر إلى جيشه باعتباره الجيش الأكثر أخلاقية، اليوم يثور بينهم التساؤل: هل هذا الجيش الأكثر أخلاقية أم جيش مجرمي الحرب؟ وذلك ينعكس بدوره على الرأي العام العالمي، بما في ذلك الرأي العام في الولايات المتحدة نفسها لا سيما الشباب، ذلك التغيير والتضامن والرفض للسياسة الإسرائيلية والتصرفات الإسرائيلية الذي حدث في العالم، هو الجانب الإيجابي الحقيقي لما حدث أكثر من أي شيء آخر.
الحاجة لكلمة سواء

الإنجازات والإخفاقات ليست نهاية المعركة، إذ يبقى منها العبرة التي يبنى عليها ما هو قادم، وقد لفت "الحسيني" الحفيد إلى البناء الذي يحتاجه الحاضر الفلسطيني، في معرض حديثه عن المقاربة بين النكبة والطوفان، فقال: نحن نتعلم من التاريخ، وفي تاريخ عائلتي بدأ والدي "فيصل الحسيني" حياته عسكريًا، قبل أن ينتقل إلى خوض نضال أقل عنفًا وأوسع مشاركة وتأثيرًا، والحرب هي الجزء العنيف من السياسة وليست كل السياسة، وأحد أهم إشكالياتها في حالتنا أن مجموعة قليلة تقاتل ومعظم الناس تراقب، فليس ثمة مشاركة إنما يكون هناك انتظار لحدث معين تسفر عنه المعارك.
وذلك بينما نحن في أمس الحاجة في فلسطين للمشاركة الواسعة، مثلما حدث في الانتفاضة الأولى إذ كانت المشاركة الواسعة بالحجر، أي أداة بمستوى عنف أقل كثيرًا من البندقية أو المدفع أو الرشاش، لكنها متاحة للجميع وفي متناولهم، حتى في المظاهرات، وانطلاقا من طبيعة فلسطين وطبيعة الصراع فيها نحن نحتاج إلى تلك المشاركة الواسعة، فهي الأفضل لنا في نضالاتنا إذ يكون تأثيرها أكبر، وتجعلنا قادرين أن نفرض شروط أو حلول معينة.
وهذا النوع من المشاركة يحتاج لعنف أقل، وأنا هنا لا أقول أن علينا إلقاء السلاح، ولكن أتحدث عن الخيار الأنسب والأكثر رحابة، الذي يجعل الجميع شركاء في المعركة، وهو الخيار الأقل عنف، فبمجر الانتقال للخيار الأكثر عنفًا تنخفض المشاركة، وعلى سبيل المثال: إن كانت ثمة مظاهرة تستخدم فيها الحجارة، وتم إطلاق رصاصة واحدة فيها، سيرد الطرف الآخر بدرجات عنف أعلى كثيرًا، ومن ثم سيتحول الناس مباشرة إلى المكوث في البيوت، وينقلبوا من مشاركين إلى مجرد متابعين أو متفرجين، وهنا تكمن الخطورة، لذا علينا أن نتعلم الدرس، ونختار أدواتنا المناسبة بذكاء في الأوقات المختلفة.
لا تتركوا التلة

بنهاية حواره، كانت رسالة "الحسيني" الحفيد محملة بميراث الأب والجد، فقال: رسالتي لشباب فلسطين اليوم ألا نيأس، وقد استخدمنا شعارًا في مؤسسة "فيصل الحسيني" يقول: "لا تفزعوا من الخسائر، ولا تتركوا التلة"، أي إن رأيتم خسائر كبيرة لا يجب أن يدعوكم ذلك إلى الفزع والانهيار، ولا تتزحزحوا لا عن بيوتكم ولا عن مواقفكم؛ فقد كان الخطأ الفلسطيني في القسطل أن الناس تركت التلة ونزلوا إلى الجنازة؛ كذلك علينا ألا نفزع من أخبار المجازر كما فزع الناس من أخبار مجزرة دير ياسين.
والأمر الثاني أننا نحتاج إلى تكافل الناس وتضامنهم، حيث جعلهم اهتمامهم بشؤونهم الشخصية أقل تضامنًا، ونحن في مرحلة تحيا فيها فلسطين كلها تحت الحصار، بينما تعيش غزة الحصار الكبير، حيث ينفذ الاحتلال في الضفة الغربية إبادة بأساليب أكثر ذكاءً حتى لا يشعر بها الناظر من بعيد، فيحاصر المخيمات كل مخيم على حدة، ثم يحاصر المؤسسات والبنوك ويضرب الاقتصاد، والحل الوحيد للوقوف في وجه ذلك هو التكافل والتضامن بين الناس، حتى لا يحدث ما حدث مع "عبد القادر الحسيني" حينما رفضت بعض القرى المشاركة في القتال، معتمدين على حماية العالم والقرارات الدولية، وهي أمور مهمة لكنها لا تغني عن اعتمادنا على ذاتنا فنؤثر بدلا من أن نتأثر، فبدون الاعتماد على الذات والتكاتف بين بعضنا البعض، سيمعن الاحتلال في التعامل معنا بالعقوبات الفردية والجماعية، وسيتوسع في ذلك حتى يصل لكل واحد فينا.
وفصل المخاطر التي تنشب أنيابها في الضفة الغربية، فقال: نحن نعيش منذ 2025 فترة ارتفع فيها الاستيطان وتوسع البناء الاستيطاني ثلاثة أضعاف السنة التي سبقتها سبقتها، وارتفع هدم البيوت حوالي 100%، بمعنى أنه قبل 2023 حين كانت تصدر عشرة أوامر هدم- على سبيل المثال- في القدس كان ينفذ أمر واحد وتؤجل 9 أوامر، أما بعد 2023 عندما يصدر 10 أوامر هدم تنفذ جميعها؛ وبالمثل في الاستيطان، إذ كانت المدة بين الإعلان عن البؤر الاستيطانية وبدء تنفيذها تستغرق 3- 4 سنوات، لتصبح المدة الآن بين الإعلان والتنفيذ 4- 5 شهور فقط، ما يجعلنا أمام هجمة كبيرة، كيف لنا مواجهتها فرادى؟ كيف نواجهها بدون تضامن وبدون أن نقف يدا واحدة؟
في حديثه عن فارس النضال الفلسطيني الأبي، الذي لم ينهيه الاحتلال بقتله، فتح الحفيد أوراقا كثيرة من كتاب الجد، لم تقف على المقاربة بين الماضي والواقع الحاضر، بل غاص في عمق التاريخ مفندا الصور والشهادات، مارًا بمحطات الكفاح حتى وصل المستقبل، مختتمًا إياها بحديث عن مسارات أكثر فاعلية لاستكمال النضال.