الشهيد "عبد القادر الحسيني"… قصة أكبر من أن تروى في بضع سطور، ولما كانت حدود نضاله أكبر كثيرًا من سقف الرواية، رحنا في اليوم نسرد مشاهد مختارة منها، في حوار خاص مع حفيده "عبد القادر فيصل"- الناشط المجتمعي ورئيس مؤسسة "فيصل الحسيني" وعضو المجلس المركزي الفلسطيني، الذي روى في الحلقة السابقة من الحوار، محطات من نضاله وأسرته بين الثورة والنفي واللجوء، وما بقي من إرثه، منتهيًا بعودته إلى فلسطين.
وفي هذه الحلقة نكمل الرواية عن كفاحه المسلح، منذ تأسيس جيش الجهاد المقدس وحتى خذلانه انتهاء باستشهاده…
الجهاد المقدس والخذلان

يقول "الحسيني" الحفيد: بعد دخول جدي فلسطين عقب قرار التقسيم، وفي الفترة من نوفمبر 1947 حتى وقت استشهاده في إبريل 1948، عمل على تنظيم الصفوف، وبناء نواة جيش لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأنشأ مقر للقيادة في منطقة متوسطة في المدينة، التي يطلق عليها اسم مدينة بيرزيت، الواقعة على تلة مرتفعة إلى الشمال من رام الله، وفيها كان مقر قيادته لكل تلك المنطقة المتوسطة التي تضم القدس ورام الله ومحيطهما، بينما كانت القوات العربية بقيادة "فوزي القاوقجي" موجودة في منطقة الشمال من جنين إلى المناطق الشمالية.

حيث كانت نواة الجيش التي أسسها تقوم على مجموعة ليست كبيرة من المجندين المتواجدين بشكل دائم، بالإضافة إلى نظام الفزعات: وهو عبارة عن مجموعات من المحاربين الذين يتم استدعائهم عند الحاجة؛ وكان يعتمد على إستراتيجية ضرب مواقع معينة ثم الانسحاب، كما استخدم المتفجرات في عمليات لضرب مؤسسات تابعة للحركة الصهيونية، مثل: الوكالة اليهودية وشارع مونتفيوري وتفجير الباليستاين بوست التي شكلت ضربات مؤلمة جدا للاحتلال، ومع الإنجازات الكبيرة التي حققها في تلك الفترة، ارتفع عدد المقاتلين في جيشه، مثلما ارتفعت أعداد الراغبين في الالتحاق به، ولكن كان يعوزه السلاح.
وبحلول إبريل 1948، كان العرب قد أخذوا قرارًا بعمل لجنة عسكرية لإرسال القوات العربية لفلسطين، فيما لاحظ "الحسيني" أن السلاح يرسل للقوات الأخرى ولا يرسل له، فسافر إلى اجتماع دمشق الشهير طالبا السلاح والعود، بيد أنه قوبل بالاستهزاء به وبمطالبه، حيث استهزأ به بعض أعضاء اللجنة، وقالوا له: من أنت لتواجه العصابات الصهيونية؟ وماذا تنتظر أن نعطيك؟ الطائرات…؟! وكان قد طلب منهم السلاح الخفيف ومدفع واحد على الأقل، حيث كانت المدافع متوفرة لديهم- حسب قوله لهم.
القسطل

لحظة تذكره لنقص السلاح والخذلان، فتح "الحسيني" الحفيد صفحة القسطل، فقال: كان "عبد القادر الحسيني" يسيطر على نقاط محددة في القدس، بحكم أن قواته لم يكن عددها كبير، فأحكم السيطرة على النقاط الرئيسية وأحدها القسطل- وهي تلة تقع على الطريق بين تل أبيب والقدس- وبهذا تمكن عمليًا من حصار اليهود في القدس وأصبح بإمكانه المساومة.
لكنه عاد من اجتماعات اللجنة العسكرية في الشام خالي الوفاض، وغاضبا للغاية، وزاد غضبه بمعرفته بأنباء سقوط القسطل في يد العصابات اليهودية، ولم يكن هناك بد من دخول المعركة بكمية السلاح البسيطة المتوفرة لديه، وكانت بعض قواته موجودة فعليا في محيط القسطل أو داخلها وتخوض المعركة.
وفيما يتعلق بتفاصيل ما جرى فيها، كان ابن القدس قد وصل إلى منطقة قريبة، وأنشأ فيها مركزًا للقيادة، واستطاع معرفة مناطق تمركز العصابات اليهودية الموجودة، حيث تحصن عدد كبير من مقاتليهم في منطقة اسمها في بيت المختار- قلعة على رأس التلة، ولأنه درس في ألمانيا كيفية صناعة المتفجرات، وكان يعتمد كثيرا على العبوات المتفجرة، حضر لتلك المعركة عبوة بوزن نصف تانك متفجرات- لا أعرف مقاييس ذلك من الناحية العسكرية لكنه وزن معروف في العبوات المتفجرة- وطلب من بعض رجاله توصيلها لنقطة محددة ثم إشعالها، وقد نجحوا في الوصول للمكان المحدد، ولكن العبوة لم تشتعل، فعادوا إليه ليخبروه أنها لا تعمل، وهنا قرر الذهاب بنفسه لموقع العبوة لإشعالها، وفي عودتهم وذهابه هو مر بعض الوقت يمكن أن يصل لساعة، بما كان يكفي لحشد اليهود أنفسهم، ولم يصطحب معه كثيرًا من الرجال، مكتفيا برجلين فقط.
هذا الرجلان حينما أدليا بشهادتهم عن المعركة، قالوا: "تعرضنا لإطلاق نار كثيف فور اقترابنا من الموقع المحدد، ثم شاهدنا (البيك)- كما كانوا يطلقون على الحسيني- يسقط أرضًا فانسحبنا، دون أن نعلم على وجه الدقة: ماذا حدث؟"
وعقب ذلك بساعات انتشر نبأ يقول إن "عبد القادر" مفقود، فهبت فزعات كبيرة جدا من المقاتلين من البلدات والقرى إلى القسطل، وأمام تلك الأعداد الكبيرة انسحب العدو، وتمت استعادة الموقع، لكنهم عثروا عليه شهيدا، وهنا وقعت المأساة، فمع اكتشاف جثمانه وتأكيد نبأ وفاته، لم يحافظ معظم المتواجدين في التلة على مواقعهم، ولم يبق فيها سوى فرقة صغيرة مكونة من 40 شخصًا تقريبًا، وهبط الباقي مع الجثمان إلى القدس وانشغلوا بالجنازة والتشييع، لتستغل القوات البريطانية ذلك الموقف فتعود لاحتلال التلة، ثم تسلمها مرة أخرى للعصابات الصهيونية.
ومن هنا تمت لهم السيطرة الكاملة على الطريق الواصل بين تل أبيب والقدس، فكان ذلك نقطة التحول الكبيرة، التي يسرت لهم الوصول للقدس.
خسارة الخصم الشرس والمجزرة

رحيل "الحسيني" المقاتل العنيد صاحب الصلابة والقوة لم يكن بلا ثمن، إذ ترك على عدوه ندوبًا وإصابات، لا يملك القدرة على تجاوزها حتى بعد مرور قرابة الثمانين عام على حدوثها، وتحدث عنها "عبد القادر" الحفيد، قائلًا: تعج أدبيات الاحتلال وشواهده بالحديث عن ذلك الخصم الشرس الذي واجهوه في القسطل، ومن بينها فيلم وثائقي إسرائيلي يتحدث عن المعركة والمواجهة معه؛ ومؤخرًا كتب أحد الصحفيين المهمين لديهم كتابًا عن "عبد القادر" ومعركة القسطل، والأربعة وعشرين ساعة الأخيرة في حياته، ونشر على نطاق واسع جدا، من خلال دار نشر تابعة ليديعوت أحرونوت، تناول فيه مختلف الروايات؛ ومن هذا نجد جدي يلقى اهتمامًا كبيرًا من الجانب الإسرائيلي، إذ يعتبرون أن القوة الفلسطينية الوحيدة التي واجهتهم هي قوات جيش الجهاد المقدس، التي قادها "عبد القادر الحسيني"، وكانت مواجهة مؤلمة جدا لهم، أنزلت بهم خسائر فادحة في أكثر من معركة.
هذا هو الرجل الذي تحدث اليهود عن شدته فيما استهزأ به العرب في دمشق، ونحن إذ نتحدث عن التاريخ لا يمكننا أن نجد ما يصف ذلك سوى بأنه الخذلان، الذي أسفر عن تحقيق مشروع أكبر، حيث نفذت العصابات الإسرائيلية مجزرة دير ياسين في اليوم التالي لسقوط القسطل واستشهاد جدي، ثم نُشِرَت الأخبار المروعة للمجزرة، متزامنة مع حالة الإحباط التي أصابت الروح المعنوية للناس بخسارة (القائد)، الذي يمكن أن يشكل لهم الأمل، ويمثل لهم المدافع عن وجودهم وأمنهم، فبدأ النزوح الكبير وترك الناس مدنهم وقراهم إلى اللجوء، ما مثل أهم أسباب قيام دولة إسرائيل.
وحينها طرح التساؤل: لماذا دير ياسين بالذات؟ إذ أنها قرية لم تنضم إلى قوات "الحسيني"، وآثرت البقاء دون سلاح ودون مشاركة بالقتال، وعلى الرغم من ذلك نفذوا فيها المجزرة، فكان لذلك عظيم الأثر في إصابة القرى الأخرى بالذعر.
وثمة عامل آخر ساهم في تعميق ذلك الأثر، وهو نقل أخبار هذه المجزرة بطريقة خاطئة، ففي سبيل الترويج لبشاعة الفظائع التي ارتكبتها عصابات الاحتلال في أجساد الناس في دير ياسين، تم نقل الحقيقة بذلك الأسلوب الذي أثار الذعر في النفوس، لا سيما في القرى والبلدات غير المسلحة، فيما لم يتحقق هدف ذلك النشر المتمثل في جمع التضامن العربي والدولي.
وبين دير ياسين التي رفضت التسلح والدخول في الثورة، والقسطل التي قبل جزء من أهلها التسلح ورفض جزء آخر؛ انعكس عدم إدراك الأهالي لما يحدث، وانصب اعتقادهم على أن جل ما سيحدث أن يخرج الإنجليز، وسيبقون هم في أماكنهم، دون أن يستوعبوا أن ثمة دولة يهودية ستقوم، ومجازر ستنفذ، وإبادة تراق فيها دماء المئات بشكل جماعي، ومن بقي سيتم تهجيره، إذ كانوا يصدقون حرفيًا قرار التقسيم، واحترام باقي السكان ودينهم.
تاريخ يحكم بالبقاء

مثلما يحيا "عبد القادر" صاحب الاسم والمسيرة والنضال 78 عامًا عقب استشهاده، يحيا أيضًا خذلان المقاتل الشريف نهجًا لم يتغير مع الزمن، وخلال معركة طوفان الأقصى، راح المتحدث باسم كتائب القسام "أبو عبيدة" يذكر بكليهما؛ وفي ذكر "الحسيني" الحفيد لهذا الخطاب قال: ذلك الخطاب تحدث عن الخذلان الذي تعرضت له المقاومة، باعتباره حالة مطابقة لما حدث مع جدي، حين تُرِكَ وحده بالمعركة بعد موقف اللجنة العسكرية منه، وخاضها حتى النهاية؛
ولكن في نهاية المطاف، التاريخ هو من يحاسب، "فالحسيني" عاش 40 عاما فقط هي جملة عمره حين استشهد، لكنه باقي حي إلى اليوم، بسبب الطريقة التي خاض بها معاركه والمواجهة التي خاضها؛ فعلى الرغم من الخذلان لم يعد وينكفئ؛ لكنه خاض المعركة وحاول مدفوعا بالإيمان، بأنه وإن لم يكن معه ما يكفي من السلاح لكن معه الحق، وسقط في هذه المعركة شهيدًا؛ وهي المأساة التي تتكرر كل يوم مع المقاومة، ومن هنا كانت تلك الاستعارة والاستشهاد.
درس مستفاد

استشهاد القائد "عبد القادر الحسيني" وحالة الإحباط التي تركها في النفوس، لم يكن مجرد سبب للهزيمة والنكبة، إنما بقي نهجًا للاحتلال اعتادت عليه الحكومات المتعاقبة لحسم معاركها مع المقاومة، من النكبة إلى الطوفان، لكن "الحسيني" الحفيد نظر للأمر من زاوية أخرى باعتباره درسًا مستفاد، فقال: كان ذلك درسًا تعلمه الفلسطينيون منذ زمن، وهو ما شاهدناه بأعيننا، حيث بقيت المقاومة صامدة لفترة طويلة وتدير معاركها بشكل جيد، على الرغم من الاغتيالات التي حدثت بالداخل والخارج، واستشهاد القائد تلو الآخر؛ وفي السياق ذاته، في الانتفاضة الأولى عام 1987 اعتقل الاحتلال 18 قيادة موحدة في أول 16 شهر منها، فظهر التسلسل المرن، بمعنى أنه قبل إعلان بيان الاعتقال يتم تعيين القيادة الجديد وتبدأ في مزاولة عملها.
وعلى جانب آخر، الاغتيالات جزء رئيسي جزء من السياسة الإسرائيلية، يحاولون قطع الرأس لتغيير السياسة، وفي ذلك تتمثل المشكلة الكبرى للاحتلال، حيث لديه تفوق تكنولوجي يمكنه من إصابة أهدافه بدقة، لكنه لا يستطيع أن يسيطر على النتائج، فيحقق الهدف العسكري دون أن يعرف نتائجه أو يسيطر عليها، وهو ما نراه يحدث في المنطقة اليوم لا سيما في الحرب على إيران، إذ يستطيعون أن يقتلوا رأس النظام ولكن يأتيهم من هو أسوأ.
الماضي الذي لا ينفصل عن الحاضر صورة نراها متجسدة في قصة الابن البار لفلسطين، حيث كل يوم يكرر الاحتلال سياسة دأب على تنفيذها منذ النكبة إلى الآن، وفي المقابل نرى المقاوم والمناضل والباحث عن الحق، ونرى الإبادة ومحاولات الإجبار على التهجير، لذا كانت الحلقة القادمة من حوار اليوم مع "عبد القادر الحسيني" الحفيد تحكي المقاربة بين النكبة والإبادة في الماضي، والإبادة في الحاضر وما نتج عنها.