في صباح 8 إبريل من عام 1948، أعلن نبأ استشهاد المناضل الفلسطيني "عبد القادر الحسيني"- مؤسس جيش الجهاد المقدس، وقائد المقاومة الفلسطينية ضد العصابات اليهودية، التي كانت قد سيطرت على أجزاء من الأراضي والبلدات الفلسطينية، وطردت أهلها منها تمهيدًا لاحتلال كامل فلسطين؛ وذلك في معركة القسطل التي قادها ليمنع دخول عصابات الاحتلال للقدس والسيطرة عليها، وهي المعركة التي خلدها اليهود على لوح رخامي داخل المدينة، حين تحدثوا عن خصم شرس كالوحوش، قاتل بضراوة رافضًا الاستسلام حتى الرمق الأخير.

ولم يمض يوم على استشهاده حتى نفذت عصابات الاحتلال مجزرة دير ياسين، التي كانت مفتاح سقوط البلاد في أيديهم، وإن هي إلا آيام وكانت النكبة خلال أيام بإعلان قيام دولة (إسرائيل)، ودُهِسَ كل حديث عن الوجود الفلسطيني بوتيرة متصاعدة، فيعود صاحب الأرض للبحث عن إعلان وجوده، فيما يفرض سارقها كلمته على العالم أجمع حتى الوقت الراهن، وكأن وجود "الحسيني" كان ضمانة الوجود الفلسطيني، واستشهاده كان نكبته.

IMG-20260414-WA0008
عبد القادر فيصل الحسيني 

وبحلول الذكرى 78 للاستشهاد، بحثنا في موقع اليوم عن إرث ابن القدس وما بقي لها منه، فكان لقاءنا مع حفيده الأستاذ "عبد القادر فيصل الحسيني"- الناشط المجتمعي ورئيس مؤسسة "فيصل الحسيني" التي تعمل في مدينة القدس وعضو المجلس المركزي الفلسطيني- ابن الشهداء والمناضلين، فبخلاف جده الشهيد، هو ابن المناضل "فيصل الحسيني"- عضو منظمة التحرير الفلسطينية- الذي استشهد في الكويت عام 2001، بينما كان يحضر مؤتمر لتقريب وجهات النظر ورأب الصدع داخل البيت الفلسطيني.

ومن ذاكرة الأسرة وروايات الأب والجدة راح يروي سيرة جده الشهيد وما بقي منه، ومنها وضع مقاربة بين الحاضر والتاريخ، مبينًا أوجه التشابه والخلاف، ومستخلصات الدروس المستفادة منها، ومناديا بما يجب فعله.

سجلات الأهل والذاكرة

راح "الحسيني" الحفيد يستعيد سجلات الذاكرة، فقال: إن أردنا الحديث عن "عبد القادر الحسيني" من واقع ما عاصره والدي، فسنبدأ من ميلاد أبي في 17 يوليو عام 1940  في بغداد، حيث كان والده قد اضطر للسفر إلى بغداد، بفعل ضغوط بريطانية بسبب مشاركته في ثورة 1936.

وبداية الانتقال كانت حينما تعرض لإصابات بالغة في معركة بني نعيم بقضاء الخليل، وأسرته القوات البريطانية، لكنه تمكن من الفرار، وسافر إلى لبنان لاستكمال العلاج، ومنها إلى سوريا ثم إلى العراق، التي كانت في ذلك الوقت مكان لجوء للفلسطينيين مع رفاقهم من مجموعات المقاومة حال اضطروا لذلك، حيث عمل مدرسًا لبعض الوقت، وحينما اندلعت ثورة "رشيد علي كيلاني" شارك فيها، فاعتقل لفترة من الزمن.

ومن ثم حاولت الحكومة العراقية- بعد ضغط بريطاني- إجباره على ترك البلاد، فحاول مغادرتها عن طريق إيران، لكنهم اشترطوا عليه على الحدود أن يغادر وحيدًا، ويترك رفاقه وجنوده إلى مصيرهم، فرفض العرض وآثر أن يبقى معهم معتقلًا، وبقي في الاعتقال لفترة من الزمن، حتى حصل على لجوء سياسي إلى مكة المكرمة، فانتقلت العائلة إليها في الفترة من 1944 إلى 1946، قبل أن ينتقل إلى القاهرة.

وحين وصلوا القاهرة كان عمر والدي ٦ سنوات أو أقل قليلًا، فكانت حياته مع والده بين مكة والقاهرة، وفي الأخيرة عاد والده يجهز للمعارك في فلسطين، فلم يكن متواجد بشكل دائم، إلى أن جاءهم نبأ الاستشهاد فيها حيث كانت تستقر العائلة؛ ولم يكن جدي غريبًا عن العاصمة المصرية، فقد تلقى تعليمه الجامعي فيها، بعد طرده من الجامعة الأمريكية في بيروت بسبب مسيره النضالي، فانتقل للدراسة في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وأنهى تعليمه فيها، لكنه ألقى خطابا باسم الطلاب في حفل تخرجه لم تقبله إدارة الجامعة، فكان سببًا في ترحيله منها، وعلى الرغم من أنني لا أملك نص هذا الخطاب، لكن في المجمل هو اعتبر أن الجامعة- في ذلك الحين- كانت تبث فكر يشجع على الاستعمار ويشجع على الاحتلال، في حين أنها من الناحية الفنية للدراسة كانت ممتازة، فقال ما معناه: أنني أخذت منكم العلم ولا أحتاج إلى الشهادة. 

وجيهة تكسر قيد الحسيني

بين الفرار والثورة والاعتقال واللجوء، كانت حياة "الحسيني" تضم لمحات من الجمال، درتها كانت زوجته "وجيهة الحسيني"، ففي حديثه لليوم روى الحفيد كيف كسرت جدته قيد جده في العراق، فقال: ثمة قصة جميلة روتها جدتي عن خروج جدى من المعتقل العراقي ولجوئه لمكة المكرمة، حيث قالت: إن "نوري السعيد"- رئيس الوزراء العراقي آنذاك- كان في زيارة لفلسطين، وزار أفراد من عائلة "الحسيني" في أريحا، فعاتبوه لاعتقاله "عبد القادر" في بغداد، فأنكر ذلك وقال: إنه حر طليق.

وأمام ذلك لم يكن من الزوجة المخلصة إلا أن تركت أبنائها في القدس عند بعض أهلها، وسافرت إلى بغداد، لتكتشف أنه ما زال معتقلا، وعليه لم يكن منها إلا أن دخلت إلى اجتماع مجلس الوزراء، بعد أن تعاون معها أحد كبار الحراس الموجودين هناك- الذي كان مرتبطًا بالثورة، وتحدثت مباشرة مع "السعيد" في الاجتماع، وقالت: إن حديثك لأهلى عن أن "الحسيني" حر طريق غير صحيح.

ثم أبلغتهم أنها خاطبت الملك "عبد العزيز"، وأن أبدى استعدادا لاستقبال زوجها باعتباره لاجئ سياسي في مكة وقالت "للسعيد": إن الملك رجل جدي في ذلك وأنا أريد منك جواب الآن، وعلى الفور تشاور مجلس الوزراء، وأخذ قرارًا بإطلاق سراحه، على أن يذهب إلى مكة على الفور، ومن ثم سبقته العائلة إلى جدة واستقبلته هناك، ثم عاشوا في مكة حوالي عام ونصف.

وفي هذه الفترة كان يجهز نفسه، فكان يجمع السلاح والمواد الخام اللازمة له مثل: الفسفور، وينقلها إلى فلسطين، وحينما انتقلت العائلة إلى القاهرة عام 1946، أصبح هناك إمكانية لجمع سلاح أكبر، من بقايا الحرب العالمية الثانية من منطقتي العلمين ومطروح، بمساعدة عدد من الضباط الألمان في التجميع والصيانة، ثم نقلها إلى داخل فلسطين، قبل أن يعود إليها عقب صدور قرار الأمم المتحدة رقم (181) في نوفمبر من عام 1947.

إرث القائد

احتفظت الأسرة بكثير من ذكريات الجد القائد، وأحاديث الأبناء وروايات الجدة المسجلة، لكن "عبد القادر الحسيني" لم يكن مقاتلًا صرفًا، بل كان شاعرًا وخطيبًا مفوهًا مشهود له بالبلاغة والثقافة وله كتابات وخواطر مدونة، تمثل أهمية للباحث وراء "أنشودة الجهاد الطاهر"- كما وصفه الشاعر الفلسطيني "كمال ناصر"، وقد أوضح "الحسيني" الحفيد أن تلك الكتابات والتدوينات موجودة وموثقة في كتاب اسمه (فلسطين الأم وأبنها البار: عبد القادر الحسيني) للكاتب الأستاذ "عيسى إبراهيم محسن"، الذي يضم مجموعة من الكتابات الشعرية، والرسائل التي كان يرسلها إلى القيادة العسكرية أو الرسائل الشخصية لزوجته وأولاده.

ولما كانت زوجة القائد وأبنائه في مصر إبان استشهاده، لكن القائد الأب والزوج لم ينس عائلته في خضم معاركه، حيث يقول الحفيد: إن آخر اتصال بين جده وأسرته كان قبل شهر من الاستشهاد، حيث زارهم في منزلهم في مصر في حلمية الزيتون، وطالما تحدثت الأسرة عن أنه نقل لهم سعادته الكبيرة بما حقق من انتصارات كبيرة على عصابات الاحتلال، وكانت معنوياته مرتفعة جدا، وفي آخر رسالة بعث لهم بها، كان يتحدث عن الانتصارات التي يحرز و الإنجازات الكبيرة التي يحقق، فيما يقف أمامه نقص الإمدادات العسكرية.

"في القدس من في القدس… لكن لا أرى في القدس إلا أنت" هكذا وصف الشاعر الفلسطيني "تميم البرغوثي" شعور القدس بابنها المنفي بعيدا عنها، وكأنه يصف حالها من أسرة ابنها البار، فحين نقترب منها نجد الحفيد يقول: أنا وشقيقتي الباقين في القدس من كل الأسرة بعد وفاة عمتي وجدتي، فيما يعيش باقي الأحفاد في المنفى خارج فلسطين، لكن كثيرًا من (آل الحسيني) ما زالوا يعيشون داخلها.

وما بقي إرث الجد المقاتل بمقتنياته كاملة ما زالت تحتفظ به العائلة في مكان آمن خارج فلسطين، من ملابسه الملطخة بأثار الدماء لمصحفه وسلاحه ورسائله، وحتى حبة التوفي التي كانت موجودة معه وقت استشهاده. 

فور عودته إلى فلسطين، بدأ ابن القدس رحلة جديدة، عنوانها البارز الكفاح المسلح، وبين كر وفر ترك بصمته على كل شيء حتى تراب الأرض ورمال الصحراء، البصمة التي لم يستطع الاحتلال محوها، على الرغم من محاولاته المستميتة لقرابة ثمانين عامًا، وهي المحطة التي استرسل "الحسيني" الحفيد في وصف تفاصيلها، في الحلقة القادمة من الحوار على موقع اليوم.