أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الشريعة الإسلامية وضعت إطارًا واضحًا وصارمًا لحماية الحقوق المالية للمرأة، مشددًا على أن أي محاولة للضغط عليها للتنازل عن هذه الحقوق تُعد مخالفة صريحة لأحكام الدين.

وأوضح أن الإسلام لا يجيز بأي حال من الأحوال إجبار المرأة أو التأثير عليها نفسيًا أو اجتماعيًا للتنازل عن مهرها أو ميراثها أو أي حق مالي ثابت لها، معتبرًا أن هذه الممارسات تمثل ظلمًا صريحًا يتنافى مع مقاصد الشريعة في تحقيق العدل وصون الكرامة الإنسانية.

نص قرآني قاطع: لا استرداد للمهر مهما بلغ

استند جمعة إلى نص قرآني واضح، حيث قال تعالى:
{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}،
مبينًا أن هذا النص يحمل دلالة قطعية على تحريم استرداد أي جزء من مهر المرأة، حتى وإن بلغ قدرًا كبيرًا.

وأشار إلى أن التعبير القرآني بـ"قنطار" يعكس أقصى درجات الكثرة، في إشارة إلى أن الحق المالي للمرأة محفوظ بالكامل، بغض النظر عن قيمته، ولا يجوز المساس به تحت أي ظرف.

الاعتداء على الحقوق المالية.. بهتان وإثم مبين

شدد عضو هيئة كبار العلماء على أن القرآن الكريم وصف أخذ شيء من حقوق المرأة بغير وجه حق بأنه بهتان وإثم مبين وهو توصيف يحمل دلالات خطيرة تؤكد بشاعة هذا الفعل شرعًا وأخلاقيًا.

وأوضح أن هذا الوصف القاطع يغلق الباب أمام أي محاولات للتأويل أو التحايل، مؤكدًا أن الالتفاف على حقوق المرأة بأي صورة يُعد انتهاكًا صريحًا للشرع.

الزواج ليس مجرد إباحة.. بل منظومة أخلاقية متكاملة

انتقل جمعة إلى بعد أعمق في تناول القضية، مشيرًا إلى أن العلاقة الزوجية في الإسلام لا تقوم فقط على الإباحة الشرعية، بل ترتكز على منظومة أخلاقية متكاملة تقوم على الرحمة والمودة وجبر الخواطر.

وأكد أن الرجل التقي لا ينظر إلى الزواج بمنطق الحقوق المجردة فقط، بل يراعي الأبعاد الإنسانية والنفسية، ويتجنب كل ما قد يسبب أذىً لزوجته، سواء كان ماديًا أو معنويًا.

نماذج من السلف: مراعاة المشاعر قبل الحقوق

وفي سياق الحديث عن الأخلاق الرفيعة، أشار إلى ما ورد عن الإمام عبد الوهاب الشعراني، الذي امتنع عن الجمع بين زوجتين، رغم إباحة ذلك شرعًا، خشية كسر خاطر زوجته الأولى.

واعتبر أن هذا النموذج يعكس فهمًا عميقًا لمقاصد الشريعة، حيث تتكامل الأحكام مع القيم الأخلاقية، ليشكل ذلك إطارًا متوازنًا يحفظ الحقوق ويراعي المشاعر.

الشريعة تُقر الحقوق.. والأخلاق تصون العلاقات

أوضح جمعة أن الشريعة الإسلامية لا تكتفي بإقرار الحقوق، بل تدعو إلى الارتقاء بالسلوك الإنساني، بحيث لا تتحول العلاقة الزوجية إلى ساحة نزاع قانوني، بل تبقى قائمة على الاحترام المتبادل.