تتجول في شوارع القاهرة فتقرأ أسماء مألوفة مثل «طلعت حرب» و«مصطفى كامل»، ثم تفاجأ بلافتات تحمل أسماء غربية مثل «ماسبيرو» و«كلوت بك» و«شامبليون».
ربما يثيرك التساؤل: لماذا تحتفظ العاصمة المصرية بأسماء أجنبية على شوارعها منذ أكثر من قرن؟ الحقيقة أن هذه الأسماء ليست مصادفة، بل تكريم لعلماء وشخصيات أجنبية تركت بصمتها في تاريخ مصر، وأسهمت في نهضتها العلمية والثقافية في فترات حرجة من تاريخها الحديث.
شوارع بأسماء أجانب.. تقدير لمساهماتهم
منذ القرن التاسع عشر، اعتادت الدولة المصرية تخليد أسماء من خدموا أرضها على واجهات الشوارع والميادين. ولم يقتصر الأمر على الزعماء الوطنيين، بل شمل أيضًا بعض الأجانب الذين ساهموا في تطوير مجالات الطب والآثار والتعليم.
شارع شامبليون.. تكريم العالم الذي فك رموز الفراعنة
يحمل هذا الشارع الشهير اسم العالم الفرنسي جان فرنسوا شامبليون، الذي اشتهر بإنجاز علمي غير مسبوق حين نجح في فك رموز اللغة المصرية القديمة باستخدام حجر رشيد. بفضله فُتحت أبواب جديدة لفهم الحضارة الفرعونية، ولذلك سُمي الشارع باسمه تكريمًا لجهوده التي غيرت مسار علم المصريات.
ماسبيرو.. عالم آثار فرنسي خدم الحضارة المصرية
أما شارع ماسبيرو ومبنى التلفزيون المصري الشهير الذي يحمل الاسم نفسه، فيعودان إلى جاستون ماسبيرو، عالم المصريات الفرنسي الذي تولى إدارة مصلحة الآثار المصرية عام 1881م وهو في الرابعة والثلاثين من عمره.
قام ماسبيرو بحملات واسعة ضد سرقة الآثار، وأعاد آلاف القطع المنهوبة، كما وضع تشريعًا تاريخيًا عام 1912 ينظم أعمال التنقيب ويحفظ حقوق الدولة المصرية.
وعندما أنشأ الرئيس جمال عبد الناصر مبنى الإذاعة والتلفزيون عام 1960، أطلق عليه اسم "ماسبيرو" تخليدًا لإسهاماته الكبيرة في حماية التراث المصري.
كلوت بك.. طبيب فرنسي أسس الطب الحديث في مصر
يحمل أحد أقدم شوارع القاهرة اسم الطبيب الفرنسي أنطوان كلوت، المعروف في مصر باسم كلوت بك، الذي قدم إلى مصر في عهد محمد علي باشا، وأسّس أول مدرسة قومية للطب عام 1827، وهي التي تحولت فيما بعد إلى مستشفى قصر العيني.
نال كلوت لقب «بك» تقديرًا لجهوده في تدريب الأطباء المصريين ووضع أسس التعليم الطبي الحديث، وقد سُمي الشارع باسمه منذ عام 1872 تكريمًا لدوره الريادي.
شواهد التاريخ في لافتات الشوارع
هكذا تحكي لافتات الشوارع في القاهرة قصة تفاعل مصر مع العالم، حيث لم تكن الأسماء مجرد كلمات على جدران، بل شهادات تقدير خالدة لمن خدموا أرضها بعلمهم وجهدهم، حتى وإن لم يكونوا من أبنائها.