في مناسبة تتجدد فيها معاني الإيمان والهوية، وتستحضر صفحات مشرقة من تاريخ الإعلام الديني، أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، أن الاحتفاء بذكرى تأسيس إذاعة القرآن الكريم ليس مجرد استدعاء لماضٍ عريق، بل هو وقوف أمام تجربة حضارية فريدة شكّلت وجدان أمة، وأسهمت في ترسيخ علاقة الملايين بكتاب الله تعالى.
وأوضح مفتي الجمهورية أن هذه الإذاعة العريقة تمثل واحدة من أبرز المنارات الدعوية التي أضاءت الطريق أمام الأجيال، حيث نجحت منذ انطلاقها في نقل تلاوات القرآن الكريم بأصوات خاشعة وأداء متقن، بلغ القلوب قبل الآذان، وامتد تأثيره ليشمل الداخل المصري ومختلف أنحاء العالم.
وأشار إلى أن هذه التجربة الإعلامية الرائدة تُعد نموذجًا متفردًا في تاريخ البشرية، كونها أول منظومة صوتية منظمة لنقل القرآن الكريم على نطاق واسع بعد عصر النبوة، في صورة تجسد عناية الله سبحانه وتعالى بحفظ كتابه الكريم، ليس فقط في الصدور، بل أيضًا في وسائل الإعلام الحديثة.
من القاهرة إلى العالم: رسالة تتجاوز الحدود
وأكد مفتي الجمهورية أن رسالة إذاعة القرآن الكريم لم تتوقف عند حدود الجغرافيا المصرية، بل انطلقت لتخاطب العالم بأسره، حاملة معها روح الإسلام السمحة وجماليات التلاوة المصرية.
وبيّن أن الإذاعة تحولت بمرور الوقت إلى مدرسة عالمية متكاملة في تعليم فنون التلاوة ونشر علوم القرآن، حيث تتلمذ على أصواتها الملايين، وتعلّم منها طلاب العلم والقراء في مختلف الدول.
وأضاف أن نجاح هذه التجربة المصرية ألهم العديد من الدول إلى السير على نهجها، فبادرت إلى إنشاء إذاعات قرآنية مماثلة، حتى بلغ عددها قرابة مائة إذاعة حول العالم، لا سيما في الدول الإسلامية، وهو ما يعكس بجلاء الريادة المصرية في مجال القوة الناعمة الدينية، وقدرتها على التأثير العميق في الوجدان الإسلامي العالمي.
الإعلام الهادف في مواجهة التحديات الفكرية
وفي سياق متصل، شددت دار الإفتاء المصرية على أن إذاعة القرآن الكريم تمثل إحدى الركائز الأساسية في بناء الوعي الديني الرشيد، بما تقدمه من محتوى علمي رصين يستند إلى منهج الوسطية والاعتدال.
وأوضح المفتي أن الإذاعة لعبت دورًا بالغ الأهمية في التصدي للأفكار المتطرفة والانحرافات الفكرية، من خلال تقديم خطاب ديني متوازن، يخاطب العقل والقلب معًا، ويُعلي من قيم التسامح والتعايش.
وأشار إلى أن هذا الدور لم يكن ليتحقق لولا الحرص على اختيار نخبة متميزة من كبار علماء الأمة وقرّائها، الذين أسهموا بعلمهم وأصواتهم في تقديم رسالة دينية نقية، تحصّن المجتمع من الأفكار الهدامة، وتعزز من استقراره الفكري والثقافي.
مدرسة التلاوة المصرية: إرث محفوظ للأجيال
وأشاد مفتي الجمهورية بالدور التاريخي الذي اضطلعت به إذاعة القرآن الكريم في الحفاظ على مدارس التلاوة المصرية، التي أصبحت علامة فارقة في العالم الإسلامي، ونموذجًا يُحتذى به في الإتقان والجمال الصوتي.
وأوضح أن الإذاعة لم تكن مجرد وسيلة للبث، بل كانت مدرسة حقيقية خرجت أجيالًا من القراء الذين حملوا لواء التلاوة المصرية إلى مختلف أنحاء العالم، وأسهموا في ترسيخ مكانة مصر كقبلة لفن التلاوة.
وأضاف أن هذه الإذاعة لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الذوق القرآني العام لدى المستمعين، حيث غرست فيهم تقدير جماليات الأداء الصحيح، وربطتهم بأصول التلاوة وقواعدها، مما ساعد على حماية هذا الفن من الاندثار أو التشويه.