يحمل التاريخ الإسلامي بين طياته العديد من القصص والعبر التي تكشف مواقف البشر من الدعوة الإسلامية منذ لحظاتها الأولى فمع بداية الرسالة المحمدية في مكة انقسم الناس بين مؤمن صدّق برسالة السماء وناصرها وبين معارض وقف في وجهها بكل ما يملك من نفوذ وسلطة.

ومن بين أبرز الشخصيات التي عُرفت بعدائها الشديد للإسلام في تلك المرحلة المبكرة من التاريخ الإسلامي شخصية أبو لهب عمّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي ارتبط اسمه في المصادر التاريخية والقرآنية بموقف عدائي واضح من الدعوة الإسلامية.
وقد ارتبط يوم الرابع والعشرين من شهر رمضان بواحدة من أبرز المحطات في قصة هذا الرجل إذ شهد نهاية حياته نهاية مأساوية حملت في تفاصيلها كثيرًا من الدلالات التاريخية والإنسانية، بعد سنوات طويلة قضاها في معاداة الإسلام وملاحقة أتباعه.

أبو لهب.. عم النبي الذي وقف في وجه الرسالة

كان الاسم الحقيقي لأبي لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب وهو أحد أبناء عبد المطلب بن هاشم الجد الأكبر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبهذا النسب كان أبو لهب عمًّا مباشرًا للنبي كما أنه الأخ غير الشقيق لعبد الله بن عبد المطلب والد الرسول.

ورغم هذه القرابة القريبة التي كان من المفترض أن تكون سببًا في النصرة والدعم، فإن أبا لهب اتخذ موقفًا معاكسًا تمامًا فكان من أوائل من وقفوا في وجه الدعوة الإسلامية منذ اللحظة الأولى لإعلانها في مكة.

وقد كان أبو لهب من رجال قريش المعروفين بالوجاهة والنفوذ كما عُرف بوسامته واحمرار وجهه، وهو ما جعله يُلقب بـ"أبي لهب"، في إشارة إلى لون بشرته المائل إلى الحمرة والاشتعال.

وكان يُكنّى أيضًا بـ"أبي عتبة"، نسبة إلى ابنه الأكبر عتبة بن عبد العزى.

عداوة مبكرة للدعوة الإسلامية

مع بداية الدعوة الإسلامية في مكة، كان أبو لهب من أشد المعارضين لها ولم يكتفِ برفض الرسالة فحسب بل تحول إلى أحد أبرز المحرضين ضد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وقد استخدم نفوذه بين قريش لمحاولة صد الناس عن الاستماع إلى النبي وكان يسعى في الأسواق والمجالس إلى التشهير بالدعوة الجديدة وتحذير الناس منها.

ولم تتوقف معارضته عند حدود الكلام، بل امتدت إلى إيذاء المسلمين والتضييق عليهم، في وقت كانت فيه الدعوة الإسلامية ما تزال في مراحلها الأولى وتواجه تحديات كبيرة في مجتمع مكة.

وقد ظل موقفه العدائي ثابتًا طوال حياته، فلم يتراجع عنه رغم ما شهده من تحولات في مسار الدعوة الإسلامية.

ذكره في القرآن الكريم

بلغت عداوة أبي لهب للنبي صلى الله عليه وسلم حدًا جعل القرآن الكريم يخلّد ذكره في سورة كاملة، لتكون عبرة للأجيال اللاحقة.

فقد نزلت فيه سورة سورة المسد التي جاءت بآيات واضحة تتحدث عن مصيره بسبب موقفه من الدعوة الإسلامية في واحدة من الحالات النادرة التي يذكر فيها القرآن شخصًا بعينه من معارضي الرسالة.

وقد ظل أبو لهب بعد نزول هذه السورة متمسكًا بموقفه المعادي للإسلام، ولم يُبدِ أي تراجع أو مراجعة لمواقفه، حتى آخر أيام حياته.

مرض غامض بعد غزوة بدر

بعد الانتصار الكبير الذي حققه المسلمون في غزوة بدر، أصيب أبو لهب بمرض شديد ومعدٍ عُرف في الروايات التاريخية باسم "العدسة".

وكان هذا المرض من الأمراض التي كانت العرب تخشاها كثيرًا في ذلك الوقت بسبب سرعة انتشار العدوى والخوف من الاقتراب من المصابين به.

وقد اشتد المرض على أبي لهب في الأيام التي تلت معركة بدر، حتى وافته المنية بعد سبع ليالٍ من المعركة لتكون تلك النهاية خاتمة مسيرة طويلة من العداء للدعوة الإسلامية.

نهاية يحيطها الخوف والعزلة

تكشف الروايات التاريخية عن تفاصيل مأساوية لنهاية أبي لهب إذ إن الخوف من العدوى جعل الناس يبتعدون عنه حتى في لحظاته الأخيرة.

فلم يجرؤ أحد على الاقتراب منه أثناء مرضه، حتى أقرب الناس إليه من أهله وأبنائه، خوفًا من انتقال المرض إليهم.

وبعد وفاته بقي جسده عدة أيام دون أن يُدفن، إذ لم يكن أحد مستعدًا للمخاطرة بالاقتراب منه وهو ما أدى إلى انتشار رائحة الجثمان.

دفن غريب يعكس خوف قومه

مع مرور الوقت وخوف قريش من أن يُعاب عليهم ترك جثمانه دون دفن اضطر قومه إلى البحث عن طريقة للتخلص من الجثمان دون الاقتراب منه.

فحفروا حفرة من بعيد ثم استخدموا أخشابًا طويلة وغليظة لدفع الجثمان إلى داخلها دون أن يلمسه أحد، قبل أن يلقوا عليه الحجارة والتراب حتى وُوري في التراب