في خضم الحديث عن الاختراق الاستخباراتي لإيران، الذي يمثل نقطة ضعف النظام الكبرى، راحت الأقلام والألسنة تلوك اسم "إسماعيل قاآني"- قائد فيلق القدس خلفًا "لقاسم سليماني"، مرتبطًا بحادث اغتيال المرشد الإيراني السابق أية الله "علي خامنئي" ومجموعة من كبار قيادات النظام. 

وبين اتهامات العمالة للموساد وهروبه إلى تل أبيب، والقبض عليه وخضوعه للتحقيق، بعد توجيه اتهام له بالإبلاغ عنهم وعن موقع وجودهم ونجاته بنفسه من القصف، عزز اختفاء الرجل تلك الشائعات، فما من دليل يؤكد صدقها أو ينفيه، ليعيد للأذهان ذات المشهد وذات الاتهام للرجل عقب اغتيال "حسن نصر الله"- الأمين العام لحزب الله- عام 2024.

هو رجل الظل الشخصية الأكثر غموضاً وإثارة للجدل في هيكل الحرس الثوري الإيراني، بما يطرح التساؤل عمن يكون الرجل الذي اعتاد على اتهامات العمالة؟ وكيف وصل منصبه وبقي فيه وسط شبهات حول حقيقة ولائه؟

رجل الظل

"قاآني" كان نائب قائد فيلق القدس لسنوات طويلة، ومسؤول الملفات الشرقية فيه: (أفغانستان، باكستان، وآسيا الوسطى)، فيما كانت مسؤولية الرجل الأول تتركز في الجبهة الغربية: (سوريا، لبنان، العراق، فلسطين)؛ ولد في مشهد عام 1957، وانضم للحرس الثوري في بداياته، وشارك في الحرب العراقية الإيرانية، وهناك بدأت علاقته الوثيقة "بسليماني".

20260312_090219_0000
بين سليماني وقاآني

ومع اغتيال الولايات المتحدة للأخير في لبنان عام 2020، على الفور اختاره "خامنئي" لخلافته، ليظهر الفارق بينهما مع تواجده في نفس المنصب، حيث لم يحل محل سلفه الذي كان يتمتع بحضور طاغي عابر للحدود، ويتحدث العربية بطلاقة، ويتواجد في الخنادق الأمامية؛ فقد حافظ على شخصيته، باعتباره رجل مكاتب وبروتوكولات، لا يملك حضور سلفه، ولا يتقن العربية فيعتمد على المترجمين، ما صَعَّبَ مهمته في السيطرة على الفصائل منذ اليوم الأول.

بين الخيانة والفشل

بفعل سلسلة من الإخفاقات الأمنية المدوية، تداولت الصحافة الغربية تسريبات نسبتها لمصادر مجهلة عن وجود اختراق كبير في فيلق القدس، أدى "بقاآني" إلى الخضوع للتحقيق، الذي انتهى بإصابته بنوبة قلبية؛ وبالاعتماد على تلك المصادر، التي غالبا ما تسرب معلومات نصف حقيقية والنصف الآخر يخدم أجندة معدة مسبقًا، راحت نيويورك تايمز وميدا إيست أي وغيرهما من الصحف الغربية تحول اختفاء الرجل المتكرر في لحظات حرجة إلى الهروب أو العزل بسبب الخيانة، وهو أسلوب تحليلي معروف في الصحافة الاستقصائية.

تواتر الإخفاقات، التي جاء أهمها فشل فيلق القدس في حماية "إسماعيل هنية" في قلب طهران ثم "حسن نصر الله" ورفاقه وأخيرًا "خامنئي" ورفاقه، لم يقصر الاتهامات الموجهة للرجل على الخيانة العمدية، بل وضعه بعضها في قائمة الفشل الإداري، الذي سمح بوجود جواسيس داخل الدائرة القريبة من الحرس الثوري وحزب الله.

وعلى الرغم من كل ذلك، يبقى "قاآني" في الدولة الإيرانية حاملًا صفة القائد حتى الآن، بيد أن ثمة تأكيدات كبيرة بأن بقاءه في منصبه شكلياً، حيث قلصت صلاحياته لصالح شخصيات أمنية أخرى أكثر صرامة، في محاولة سد الثغرات التي استغلها الاحتلال- حسب تقارير أمنية.

لغز الاختفاء

غياب "قاآني" الذي طالما كان جزءًا من النواة الصلبة للنظام الإيراني، مثل الوقود المثالي لقصص الانشقاق والهروب، ومع عدم وجود دليل دامغ يفسره، تعددت السيناريوهات المفسرة لذلك بين: أ) خضوعه لاستجواب روتيني مكثف في عزلة تامة: كونه مسؤولا عن الملفات التي حدثت فيها الإخفاقات، لتحديد الثغرة التي سمحت بالوصول للقيادات، في إطار سعي الحرس الثوري لإجراء تطهير داخلي. 

ب) ​إعادة الهيكلة الأمنية: السيناريو الثاني للاختفاء أن يكون هناك قرار بتغيير بروتوكول تحركات الرجل بالكامل، ففي ظل التفوق التكنولوجي الكبير للعدو، يكون الصمت والاختفاء إجراءً احترازياً لحمايته.

إلى تل أبيب

مع الاختفاء وشائعات الخيانة والتحقيق وغيرها، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالحديث عن هروب "قاآني" إلى تل أبيب، وتم تداول عدد من لقطات الشاشة لحساب باسمه ومحادثات عبر حساباته تؤكد ذلك الزعم، أحدها يؤكد فيه بنفسه وصوله إلى وجهته، لكن محللون أكدوا استحالة تحقق تلك الرواية، لأن شخصية بمثل حجمه وموقعه لا يمكن أن تخرج متوجهة إلى عاصمة الاحتلال دون أن يتم رصدها، إن لم يكن من أجهزة الاستخبارات المعادية فمن الصديقة.

كما أن رجل في منصبه لا يملك حسابات شخصية مفتوحة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتم إدارتها بشكل فردي ليعبر فيها عن آرائه أو تحركاته، إنما الحسابات المرتبطة باسمه تتبع المكتب الإعلامي للحرس الثوري، تحت رقابة أمنية مشددة؛ وعلى جانب آخر، لا يمكن لمسؤول بمثل هذا الثقل أن يعلن وجهته التي استقر بها، حال قرر الهروب أو الانشقاق، حيث يجعله ذلك هدفًا لجهازه السابق للتصفية الفورية، ويفقده قيمته الاستخباراتية للدولة التي استقبلته.

في المحصلة، يبقى مصير رأس حربة فيلق القدس معلقًا بدليل مادي يوضحه، أو يثبت شيئًا من التسريبات الكثيرة حولة، لكن المؤكد أن حاله وموقعه وصلاحياته قد جرى عليها تغييرات جوهرية، مع تكرار الإخفاقات التي كبدت بلاده خسائر فادحة، حتى على مستوى شائعات الخيانة والانشقاق، التي تمثل جزءًا من حرب نفسية، من أجل زعزعة ثقة الجنود والميليشيات التابعة له، نجح الاحتلال في الاستفادة منها، في تعزيز صورة الاختراق الشامل.