تعيش المؤسسة الأمنية الإيرانية حالة استنفار استخباراتي كبيرة، مع تدمير تحالف الولايات المتحدة- إسـ.ـرائيل منشآت حيوية في البلاد، واغتيال رؤوس هرم الحكم فيها، بشكل بالغ الدقة دلل على الاعتماد على جناحين استخباراتيين قويين، الأول: نظام تقني بالغ الدقة، والثاني: عنصر بشري متغلغل في قلب النظام.

وفي تصريحات سابقة لموقع اليوم، أكد اللواء أ.ح الدكتور "سمير فرج"- الخبير العسكري والمدير السابق لإدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة- على ذلك حين قال: "بنسبة 100% الاختراق لابد أن يكون بشريًا في المقام الأول، فمهما بلغت دقة التكنولوجيا لابد أن يكون هناك شخص يقول: إن الهدف دخل الموقع الآن".

كما اعترف مسؤولون كبار في النظام الإيراني بذلك، لتؤكد الأحداث نجاح شبكات التجسس في بناء هيكل موازي داخل المؤسسات السيادية، حيث أشارت تقارير- أكدتها مصادر مقربة من الحرس الثوري- إلى أن التحقيقات في اغتـ.ـيال "إسماعيل هنية"- زعيم حركة حمـ.ـاس الذي تم اغتياله في طهران في أغسطس 2024- قد كشفت عن تورط عناصر أمنية داخل مجمع كونسار السكني، الذي تمت فيه العملية، وأن الاختراق تعدى وجود الصاروخ إلى زرع عبوات قبل أسابيع من العملية، ما يعني وجود عيون داخل الدائرة اللصيقة.

شبكات تجسس مارس 

في 10 مارس الجاري كشفت عن ما سمي خلية الثلاثين عميلاً، الذين تم اعتقالهم في عمليات متزامنة بمدن مختلفة، ووجهت إليهم اتهامات بالتجسس لصالح الولايات المتحدة وإسـ.ـرائيل، والعمل طابور خامس كاشفين أهداف عسكرية، تعرضت لضربات جوية خلال الحرب المشتعلة حتى الآن؛ كما اعتقل وافد أجنبي في محافظة خراسان رضوي، بتهمة التجسس لصالح دولتين خليجيتين- لم يذكر اسمهما- لحساب إسـ.ـرائيل.

وذلك عقب أيام من كشف تفكيك شبكة أخرى في 6 مارس، تتكون من  5 عملاء في طهران، ووجهت إليهم اتهامات بالعمالة لصالح دول أجنبية- حسب وكالات أنباء إيرانية، وكان الأمر الملفت في كلتا الحادثتين، أن السلطات وصفت الأشخاص الذين يلتقطون صوراً لمواقع القصف بأنهم مرتزقة صهاينة، وبالمثل من يقوموا بتصوير إحداثيات لمساجد ومراكز التجمعات وحركة المرور، حيث اعتبرتهم يفعلون ذلك لإرسالها لجهات خارجية.

التجنيد الرقمي

كثيرًا ما ثار السؤال: كيف تسلل الموساد إلى قلب المنظومة الإيرانية؟ مع ظهور الاختراقات الأمنية باعتبارها نقطة ضعف طهران، لتظهر التقنية باعتبارها اللاعب الأول في عملية التجنيد، حيث يتم عبر شاشات الهواتف وباستخدام علم النفس الرقمي، ومن أبرز أساليبه: 

​مصيدة الشركات الوهمية: إذ تنشئ الاستخبارات الإسرائيلية مواقع إلكترونية وشركات توظيف وهمية على منصات مثل: LinkedIn، بدعوى أنها شركات استشارية دولية أو شركات تجارة عامة ومقاولات، ويتم استدراج الضباط المتقاعدين، أو الموظفين في منشآت حساسة بعروض رواتب مغرية بالعملات الصعبة (الدولار أو البيتكوين)، مقابل بعض الاستشارات الفنية البسيطة، وتنتهي بطلبات كبيرة مثل: صور أو إحداثيات لمواقع عملهم، وغيرها من المهام.

​اختراق سلاسل التوريد: الآسلوب الأكثر رعبًا الذي كشفته قضية البيجر في لبنان، حيث يتم اعتراض الأجهزة الإلكترونية من (حواسيب، وخوادم، وأجهزة اتصالات) المتوجهة لإيران في دول العبور، وزرع رقائق تجسس صغيرة جداً أو برمجيات خبيثة- Firmware- لا يمكن اكتشافها ببرامج الحماية العادية، ما يحول الجهاز إلى جاسوس صامت داخل غرفة الاجتماعات.

​الهندسة الاجتماعية: وفيها يتم استخدام حسابات وهمية لفتيات أو شخصيات مهتمة بالبحث العلمي أو التجارة، للتقرب من القيادات المتوسطة في الحرس الثوري، وترسل إليهم  ملفات ملغومة أو صور، تحتوي على برمجيات تجسس، مثل: Pegasus أو نسخ مطورة منها، لتمنح المخترق سيطرة كاملة على الميكروفون والكاميرا والرسائل المشفرة (تليجرام وواتساب) دون علم صاحب الهاتف.

​إغراء العملات الرقمية: أصبح تتبع الأموال أصعب مع استخدام العملات المشفرة، حيث يتم دفع المكافآت للعملاء عبر محافظ إلكترونية مجهولة، ما يكسر الرقابة المالية التقليدية، التي تفرضها إيـ.ـران على التحويلات البنكية، ويجعل إغراء الخيانة مالياً أكبر وأقل خطورة في نظر العميل.

التجسس على الجواسيس

ردًا على ذلك الضغط الاستخباراتي والخسائر التي تكبدتها طهران، أنشأت وحدة الظل الإيرانية الجديدة، التي عرفت باسم: استخبارات حماية الحرس، ومهمتها الوحيدة هي التجسس على الجواسيس، فتقوم بالفحص التقني العكسي: عبر تفكيك كل قطعة إلكترونية مستوردة من الخارج حتى أصغر برغي، لكشف ما تحتويه من أنظمة اختراق؛ ثم تنفذ ​اختبارات الولاء: عبر تسريب معلومات خاطئة لبعض الضباط، ومراقبة ما إذا كانت ستصل للطرف الآخر أم لا.

ولتطهير صفوفها تستخدم طهران أساليب شديدة القسوة لكشف حقيقة العملاء، تبدأ ب​الاستجواب بالعزل التام: عبر عزل المشتبه بهم من القيادات، ومنعهم من أي اتصال خارجي لعدة أسابيع عملا على رصد ردود فعل الشبكة المرتبطة بهم، وقد ثارت الشائعات كثيرة عن خضوع "إسماعيل قاآني"- قائد فيلق القدس- لهذا النمط من الاستجواب، عقب اغتيال “حسن نصر الله” بسبب اختفائه، ليظهر الرجل في ميناء مهر أباد في أكتوبر 2024، نافيًا الشائعات بشكل عملي. 

كما يأتي ​تحليل البصمة الرقمية أحد أهم أساليب الكشف، وبمساعدة تقنيات صينية وروسية، تحاول إيران تتبع أي إشارات لا سلكية غير مبررة تخرج من المنشآت الحساسة، وأخيرًا تستخدم ​مبدأ تعدد الأجهزة: عبر تفعيل- حرب الأجهزة- الاستخبارات ضد الحرس الثوري، لضمان أن كل جهاز يراقب الآخر، على الرغم من حالة الشلل الإداري، التي يخلقها هذا الأسلوب.

إعدامات 2026

بدأت السلطات الإيرانية هذا العام بسلسلة كبيرة من الإعدامات، رداً على الاختراقات الأمنية، وكان من بين الأحكام المنفذة في يناير، إعدام كل من "علي أردستاني" و"حميد رضا ثابت إسماعيل بور"، على خلفية اتهامهما بالتعاون مع الموساد؛ وهو نفس المصير الذي ينتظر 35 معتقلًا من خلايا التجسس، الذين تم القبض عليهم في مارس الجاري، حيث توعدهم القضاء بعقوبات قاسية جداً، بموجب القانون الجديد الذي أُقر في أكتوبر الماضي، ويوسع صلاحيات مصادرة الأموال بالكامل، بخلاف عقوبة الإعدام بتهمة الإفساد في الأرض.

تاريخ العمالة والانشقاقات 

الولاء ليس دائمًا مطلقًا… مبدأ أثبتته التجربة الإيرانية عبر تاريخ من قصص العمالة والانشقاقات، التي كان أبطالها أشخاص ذوي وزن في النظام، وكان أهمها:

"​علي رضا عسكري": في 2007 اختفى الرجل في تركيا في ظروف غامضة، وكان حينها ضابطًا برتبة عميد في الحرس الثوري ومساعدًا لوزير الدفاع الأسبق، ليتبين لاحقاً أنه انشق، وزود الغرب بمعلومات ذهبية عن برنامج إيران النووي، وعن علاقتها بحزب الله.

"​شهرام أميري": وهو عالم نووي، ادعى اختطافه ثم عاد لإيران ليعامل باعتباره بطل، لكن سرعان ما كشف أمره في 2009، أنه قدم معلومات خطيرة للمخابرات الأمريكية، وانتهى به الأمر بالإعدام في 2016.

وغير ذلك من عشرات الحالات، لضباط برتب متوسطة في وحدة استخبارات الحرس الثوري، فروا إلى دول أوروبية في السنوات الأخيرة، حاملين معهم أراشيف أمنية جوهرية، ما يفسر سرعة وصول الاحتلال لبيانات دقيقة عن مخازن الصواريخ في قلب الجبال.

مجمل الوضع في إيران يقول أنها لا تواجه مجرد جواسيس، بل أضحت هي نفسها بيئة مخترقة، تعاني من فجوات تكنولوجية وإغراءات مالية استغلها الاحتلال ببراعة.