يستعيد المسلمون في كل عام ذكرى واحدة من أعظم المحطات في تاريخ الدعوة الإسلامية، وهي ذكرى فتح مكة التي وقعت في العشرين من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، الموافق لعام 630 ميلاديًا.
ففي هذا اليوم التاريخي دخل رسول الله ﷺ مكة المكرمة على رأس جيش إسلامي قوامه نحو عشرة آلاف من الصحابة، ليطوي بذلك صفحة طويلة من الصراع بين المسلمين وقريش، وليفتح صفحة جديدة عنوانها التسامح والعفو والعدل.

ويعد فتح مكة نقطة تحول كبرى في تاريخ الإسلام، إذ لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان انتصارًا أخلاقيًا ودعويًا عظيمًا، حيث دخل النبي ﷺ مكة دون أن يسعى إلى الانتقام من خصومه الذين آذوه وحاربوه لسنوات طويلة، بل أعلن عفوًا عامًا عن أهلها، فكان لذلك أثر بالغ في دخول عدد كبير من زعماء قريش وكبارها في الإسلام.

ترجع جذور أحداث فتح مكة إلى ما قبل ذلك بعامين تقريبًا، حين رأى النبي محمد ﷺ في المنام أنه دخل المسجد الحرام مع أصحابه وطافوا بالكعبة وأدوا مناسك العمرة وقد اعتبر المسلمون هذه الرؤية بشارة من الله عز وجل، فبدأ النبي في تجهيز أصحابه لأداء العمرة.

وفي شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، خرج رسول الله ﷺ من المدينة المنورة قاصدًا مكة مع نحو 1400 إلى 1500 من المسلمين، ولم يكن خروجهم بهدف القتال، بل لأداء العمرة فقط ولهذا لم يحملوا معهم سوى سلاح المسافر، وهو السيوف الموضوعة في أغمادها، كما ساق النبي معه سبعين بدنة من الهدي ليؤكد لقريش أن هدف الرحلة عبادي وليس عسكريًا.

لكن قريش، التي كانت ما تزال تنظر إلى المسلمين بعين العداء والشك، رفضت السماح لهم بدخول مكة، وأرسلت 200 فارس بقيادة خالد بن الوليد لاعتراض طريقهم ومنعهم من الوصول إلى الكعبة.

طريق الحديبية.. مواجهة سياسية بدل المواجهة العسكرية

أمام هذا الموقف، قرر النبي ﷺ تفادي الصدام العسكري مع قريش، فاتخذ طريقًا أكثر وعورة وصعوبة بعيدًا عن الطريق الرئيسي، حتى وصل إلى منطقة الحديبية التي تبعد نحو 14.5 كيلومترًا عن مكة.

هناك بدأت سلسلة من المفاوضات بين المسلمين وقريش، حيث جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في وفد من قبيلة خزاعة ليتعرف على نية المسلمين. وأكد النبي ﷺ خلال هذه اللقاءات أن هدفه لم يكن القتال، بل أداء العمرة فقط.

وقال النبي ﷺ موضحًا موقفه:
"إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد أنهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره."

وبعد مفاوضات طويلة تم التوصل إلى صلح الحديبية، وهو اتفاق هدنة بين المسلمين وقريش لمدة عشر سنوات، سمح للمسلمين بالعودة في العام التالي لأداء العمرة.

ورغم أن بعض الصحابة رأوا في شروط الصلح قسوة على المسلمين، فإن الأحداث أثبتت لاحقًا أنه كان خطوة استراتيجية مهدت الطريق لفتح مكة.

لم يمض وقت طويل حتى بدأت بنود صلح الحديبية تتعرض للاهتزاز، بعدما تورطت قريش في خرق الاتفاق.

فقد دعمت قريش حلفاءها من قبيلة بني بكر في هجوم على قبيلة خزاعة، التي كانت حليفة للمسلمين وكان هذا الهجوم بمثابة نقض صريح لمعاهدة الحديبية، إذ شارك فيه رجال من قريش بالسلاح والعتاد.

وعندما وصلت أخبار الاعتداء إلى النبي ﷺ في المدينة المنورة، أدرك أن قريشًا قد أنهت الهدنة بنفسها، وأن الوقت قد حان لحسم الصراع الذي استمر سنوات طويلة.