في مشهد روحاني مهيب يفيض بالسكينة والخشوع، احتشدت جموع غفيرة من المصلين داخل أروقة وصحن الجامع الأزهر، مساء الثلاثاء، لإحياء الليلة الثالثة عشرة من شهر رمضان المبارك بأداء صلاتي العشاء والتراويح، في واحدة من الليالي التي تتجدد فيها صورة الأزهر كمنارة علم وعبادة ومقصد للقلوب الباحثة عن الصفاء.
ومنذ الساعات الأولى للمساء، بدأت وفود المصلين تتقاطر إلى المسجد العريق من مختلف محافظات الجمهورية، فضلًا عن طلاب وعلماء وزائرين من جنسيات متعددة تمثل قارات العالم، في لوحة إنسانية تجسد عالمية الأزهر ومكانته في وجدان المسلمين شرقًا وغربًا.
واصطف المصلون في انتظام لافت، ملأت وجوههم ملامح التضرع والرجاء، في أجواء إيمانية تعكس خصوصية ليالي رمضان في رحاب هذا الصرح التاريخي.
حضور قيادات الأزهر في صفوف المصلين
مشهد رسمي وشعبي يؤكد وحدة الصف خلف رسالة العلم والقرآن
تقدم صفوف المصلين عدد من قيادات الأزهر الشريف وعلمائه، في مقدمتهم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر، وفضيلة الشيخ أيمن عبدالغني، رئيس قطاع المعاهد الأزهرية، وفضيلة الأستاذ الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على أروقة الجامع الأزهر، وفضيلة الشيخ حسن عبد النبي، وكيل لجنة مراجعة المصحف بالأزهر الشريف، إلى جانب لفيف من كبار العلماء وأعضاء هيئة التدريس.
هذا الحضور الرسمي لم يكن مجرد مشاركة بروتوكولية، بل جاء ليعكس التلاحم بين القيادة العلمية والدعوية بالأزهر وجموع المصلين، في صورة تؤكد أن الأزهر ليس مؤسسة تعليمية فحسب، بل كيان جامع يلتقي فيه العالم والطالب، المسؤول والمواطن، تحت سقف القرآن الكريم.
العشاء والتراويح بالقراءات العشر
تنوع الأداء القرآني يجسد ثراء المدرسة الأزهرية
أُقيمت صلاة العشاء من سورة الحجر برواية حفص عن عاصم، وأمَّ المصلين فيها الدكتور أسامة الحديدي، حيث صدحت آيات القرآن في أرجاء المسجد بصوت خاشع أعاد إلى الأذهان عراقة التلاوة المصرية وأصالتها.
أما صلاة التراويح، فقد جاءت هذا العام كعادتها في الجامع الأزهر متميزة بتنوع القراءات، إذ أُديت من سورتي الحجر والنحل بروايات متعددة؛ قنبل عن ابن كثير المكي، وخلاد عن حمزة الكوفي، والدوري عن أبي عمرو البصري.
وتناوب على الإمامة كل من الشيخ أحمد سعد العجمي، والشيخ عمرو فاروق، والشيخ أحمد زكي، فيما أمَّ المصلين في ركعتي الشفع والوتر الشيخ كريم مسعود.
ويعكس هذا التنوع في القراءات التزام الأزهر بإحياء سنة القراءات المتواترة، وإبراز ثراء التراث القرآني الذي تتفرد به المدرسة الأزهرية، حيث تُقام صلاتا العشاء والتراويح يوميًا بالقراءات العشر، في مشهد نادر يجمع بين جمال الأداء ودقة العلم.