في المحطة الرابعة والأخيرة من سلسلة “مدارس الجامع الأزهر”، نقف أمام واحد من أهم المعالم التي جسّدت التحول التاريخي في مسيرة المؤسسة العريقة؛ إنها مدرسة الرواق العباسي، المعروفة كذلك باسم مدرسة الخديوي عباس حلمي الثاني، ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد توسعة معمارية، بل إعلانًا عن دخول الأزهر مرحلة جديدة من التنظيم والتحديث، دون أن يتخلى عن روحه الأصيلة.

هذا الرواق لم يُبنَ ليكون إضافة حجرية إلى جسد الجامع، بل ليكون جسرًا بين عصرين: عصر الروايات الشفوية والحلقات التقليدية، وعصر اللوائح الإدارية والامتحانات المنظمة والشهادات المعتمدة.

الخديوي عباس حلمي الثاني

يقف وراء هذا المشروع المعماري الكبير اسم الخديوي عباس حلمي الثاني، أحد أبرز حكام أسرة محمد علي، والذي عُرف باهتمامه العميق بإحياء التراث الإسلامي وتجديد معالمه، وعلى رأسها الجامع الأزهر.

لم يكن اهتمامه بالأزهر اهتمامًا بروتوكوليًا، بل كان جزءًا من مشروع أوسع لإعادة الاعتبار للعمارة الإسلامية وإبراز عراقتها في مواجهة موجات التغريب التي كانت تضرب المنطقة آنذاك. 
فكان الرواق العباسي شاهدًا على رؤية سياسية وثقافية أرادت أن تقول إن التحديث لا يعني القطيعة مع الماضي.

1895م.. حين وُلد الرواق العباسي

بدأت قصة البناء عام 1312 هـ الموافق 1895م، عندما قرر الخديوي تنفيذ توسعة كبرى للجامع الأزهر، تستوعب أعداد الطلاب المتزايدة وتواكب التطورات التنظيمية التي بدأت تلوح في الأفق.

طراز مملوكي بروح حديثة

اختير للرواق طراز مملوكي جديد، يستلهم روح العمارة المملوكية التي ازدهرت في القاهرة، لكن بأدوات وتقنيات القرن التاسع عشر. 
فجاء المبنى متناسق الأبعاد، شامخ الواجهة، بثلاثة طوابق متكاملة، استُخدم اثنان منها لسكن الطلاب الوافدين، بينما خُصصت المساحات الأخرى للأنشطة التعليمية والاحتفالات الرسمية.

وفي عام 1897م، افتتح الخديوي بنفسه الرواق في احتفال رسمي مهيب، حمل في طياته رسالة واضحة: الأزهر يدخل عصر التنظيم الحديث، دون أن يفقد هيبته التاريخية.

المحراب العباسي

من أبرز ما يميز الرواق العباسي محرابه الفريد، الذي يُعد واحدًا من أجمل المحاريب التي أُنشئت في القرن التاسع عشر.

صُمم المحراب بروح المحاريب المملوكية التقليدية، لكنه أُنجز بلمسات معاصرة، حيث تتداخل ألوان الرخام بعناية، وتنساب النقوش الهندسية والنباتية في انسجام دقيق، يعكس براعة الصنّاع المصريين في ذلك العصر. كل تفصيلة في هذا المحراب تحكي قصة امتداد فني وحضاري، يؤكد أن العمارة الإسلامية لم تكن مجرد تقليد للماضي، بل إعادة إنتاج له بروح متجددة.

إذا تأملت واجهة الرواق أو رفعت بصرك إلى سقوفه المزخرفة، ستجد “الرنك” الملكي الخاص بالخديوي عباس حلمي الثاني، محفورًا بعناية، يحمل العبارة:
“عز لمولانا الخديوي عباس حلمي الثاني أدام الله أيامه”.

هذا الرنك لم يكن مجرد زخرفة، بل إعلان وقفي وتوثيق رسمي لملكية المبنى وتاريخه. ويجمع تصميمه بين الفخامة الملكية والوقار الأزهري، في مزيج يعكس العلاقة الوثيقة بين الحكم والمؤسسة الدينية في تلك المرحلة

موقع استراتيجي يربط الماضي بالحاضر

الرواق العباسي ليس مبنى منفصلًا عن نسيج الجامع الأزهر، بل هو جزء عضوي منه يرتبط بمدخل واتصال مباشر بجهة رواق الجبرت، ليشكّل شريانًا يربط بين أقدم أجزاء الجامع وأحدثها.

هذا الموقع الاستراتيجي سهّل حركة العلماء والطلاب والوفود الرسمية، وجعل الرواق نقطة التقاء بين حلقات العلم التقليدية ومظاهر التنظيم الإداري الحديث.

بداية التنظيم الحديث للدراسة في الأزهر

مع افتتاح الرواق العباسي، بدأت ملامح التحول الإداري في الأزهر تتبلور بشكل أوضح. ففي عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، تم إدخال نظام أكثر انتظامًا للدراسة، يشمل:

وضع جداول دراسية منظمة

اعتماد امتحانات دورية

منح شهادات نظامية موثقة


وكان الرواق العباسي شاهدًا على هذه اللحظة الفارقة؛ إذ استُخدم كقاعة كبرى للمحاضرات الرسمية والاحتفالات الأكاديمية، ليكون مسرحًا لبداية عصر جديد في تاريخ التعليم الأزهري.

“سفارة الأزهر” إلى العالم

لم يبقَ الرواق العباسي حبيس دوره التعليمي، بل تحوّل مع الزمن إلى ما يشبه “ديوان الجامع الأزهر”، ومقر استقبال كبار الضيوف وقادة العالم.

في هذا المكان تحديدًا، استقبل فضيلة الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب شيخ الأزهر، الملك تشارلز الثالث (الذي كان يُعرف سابقًا بالأمير تشارلز)، المعروف باهتمامه بالعمارة الإسلامية، كما شهد الرواق استقبال السيدة جيل بايدن زوجة الرئيس الأمريكي، إلى جانب عدد كبير من الرؤساء والملوك وكبار المسؤولين.

هنا، داخل جدران الرواق العباسي، تتلاقى الدبلوماسية الروحية مع التاريخ، ويتحول المكان إلى منصة حوار حضاري، تُقدَّم من خلالها رسالة الأزهر إلى العالم.