أعاد اغتيال سيف الإسلام القذافي فتح ملف معقّد ظل حاضرًا في المشهد الليبي منذ عام 2011، يتمثل في مصير التيار القذافي، وما إذا كان غياب أبرز رموزه سيقود إلى نهاية فعلية لهذا التيار، أم أنه سيدفعه إلى إعادة إنتاج نفسه بأشكال سياسية واجتماعية جديدة، مستفيدًا من امتداده القبلي ومن حالة الإحباط العام التي يعيشها الليبيون بعد أكثر من عقد من الانقسام والصراع.

من الوريث إلى الرمز

لم يكن سيف الإسلام مجرد نجل لزعيم سابق، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى رمز سياسي لتيار يقوم على الحنين إلى مرحلة سابقة من الاستقرار النسبي، مقارنة بحاضر يتسم بالفوضى والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية.

وجاء اغتياله في مدينة الزنتان، ثم دفنه في بني وليد، معقل قبيلة الورفلة الموالية تاريخيًا لمعمر القذافي. ليعيد تسليط الضوء على الجذور الاجتماعية والقبلية التي لا يزال هذا التيار يستند إليها، رغم غيابه عن السلطة منذ سقوط النظام السابق.

الحلقة الجامعة

يستند التيار القذافي إلى تركيبة غير متجانسة من الأنصار. فالدائرة الأولى تقوم على الولاء العائلي والقبلي، خصوصًا قبيلتي القذاذفة والورفلة، حيث يُنظر إلى سيف الإسلام باعتباره امتدادًا لرمزية معمر القذافي.

أما الدائرة الثانية فتضم أنصار النظام السابق سياسيًا، ممن يرفعون شعارات "الجماهيرية"، ويرون في العودة إلى الماضي مخرجًا من حالة الانقسام.

في حين تمثل الدائرة الثالثة، وهي الأوسع، شريحة من الليبيين غير المؤدلجين، الذين لم يكونوا بالضرورة من أنصار النظام السابق. لكنهم انجذبوا إلى خطاب سيف الإسلام نتيجة مقارنة واقعية بين حاضر مأزوم وماضٍ بدا لهم أقل سوءًا.

أزمة القيادة بعد الاغتيال

غير أن هذا التيار يواجه تحديًا جوهريًا يتمثل في غياب القيادة البديلة. فقد كان سيف الإسلام الحلقة الجامعة بين الرمز التاريخي والطرح السياسي المعاصر، ونجح في تقديم نفسه بوصفه "إصلاحيًا" سابقًا و"ضحية" لمسار ما بعد 2011 لاحقًا. 

فيما ترك اغتياله فراغًا واضحًا، في ظل غياب شخصية تمتلك الكاريزما والقدرة على مخاطبة الداخل والخارج في آن واحد.

سيناريوهات ما بعد الاغتيال

في هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في العلاقات الدولية وشؤون المغرب العربي، علاء فاروق، أن السيناريو الأكثر ترجيحًا بعد مقتل سيف الإسلام يتمثل في احتواء الموقف أمنيًا، لمنع الانزلاق نحو اشتباكات واسعة أو فوضى شاملة، لا سيما في مناطق الجنوب ومدينة سرت، التي كانت تُعد معقلًا تقليديًا لعائلة القذافي ومؤيديها.

ويوضح فاروق في حديثه لـ"اليوم" أن السيطرة السابقة للمشير خليفة حفتر على سرت، وما رافقها من اعتقالات وتصفيات استهدفت أنصار التيار القذافي، دفعت كثيرين منهم إلى الانتقال نحو مناطق أخرى، أبرزها بني وليد.

كما يضيف أن أي اشتباكات محتملة قد تندلع بين أنصار التيار القذافي والأجهزة الحكومية في غرب أو وسط ليبيا، لكنها ستظل محدودة في حال نجح مسار الاحتواء.

رسائل التهدئة من عائلة القذافي

كما يشير إلى أن دعوات شخصيات من عائلة القذافي، مثل الساعدي القذافي المقيم في تركيا، وهنّيبال وعائشة القذافي، لعبت دورًا في تهدئة الأوضاع، من خلال مطالبة أنصار التيار بعدم الانجرار إلى الفوضى إلى حين صدور نتائج التحقيق. محذرًا في المقابل من أن تحقيقات غير مقنعة قد تعيد فتح الباب أمام سيناريوهات أمنية أكثر تعقيدًا.

حول مستقبل التيار القذافي، يؤكد فاروق أنه سيظل فاعلاً اجتماعيًا وسياسيًا، لكنه فقد رمزية المشروع السياسي بمقتل سيف الإسلام، الذي كان المرشح الأبرز والوحيد القادر على توحيد التيار في أي استحقاق رئاسي.

كما يرى أن الاتفاق على شخصية بديلة بات أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة أن جميع أبناء معمر القذافي المقيمين على قيد الحياة يعيشون خارج ليبيا. ويواجه بعضهم عوائق قانونية وسياسية تحول دون عودتهم أو ترشحهم، فضلًا عن غياب الإجماع داخل التيار حول شخصيات أخرى.

إشكاليات التحقيق والعدالة

على مستوى التحقيقات، يلفت فاروق إلى أن القضاء الليبي يفتقر للأدوات والقدرات اللازمة لإجراء تحقيقات شفافة في قضايا الاغتيال، مستشهدًا بسوابق عديدة انتهت بتقييد القضايا ضد مجهول. نتيجة طمس الأدلة وصعوبة الوصول إلى الجناة في ظل غياب أجهزة رقابية وأمنية فاعلة.

فيما يتعلق بالمشهد السياسي الأوسع، يرجّح الباحث أن يلقي مقتل سيف الإسلام بظلاله على ملف المصالحة الوطنية، مع احتمال انسحاب ممثلي التيار القذافي منه، إضافة إلى مقاطعة أي انتخابات مقبلة في حال عدم قبول مرشح يمثلهم. بل وربما تعطيل العملية الانتخابية في مناطق نفوذهم، مثل بني وليد وأجزاء من الجنوب وسرت. ما يثير تساؤلات جدية حول نزاهة أي مسار انتخابي قادم.