في مشهدٍ يغلب عليه الحزن الممزوج بالرضا بقضاء الله، نعى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، العالم السوري الأزهري الدكتور محمد حسن هيتو، أحد أبرز المتخصصين في أصول الفقه والفقه الشافعي في العصر الحديث، والذي وافته المنية بعد مسيرة علمية طويلة حفلت بالتدريس والتأليف والتأصيل العلمي الرصين.
النبأ الذي أوجع الأوساط العلمية في مصر وسوريا وعدد من بلدان العالم الإسلامي، لم يكن مجرد إعلان وفاة عالمٍ جليل، بل مثّل لحظة استدعاء لذاكرة علمية امتدت لعقود، حمل خلالها الفقيد مشعل الاجتهاد المنضبط، وساهم في ترسيخ المنهج الأصولي لدى أجيال من طلاب العلم.
الأزهر ينعى أحد أبنائه البررة
في بيان رسمي اتسم بنبرة وفاء وتقدير، عبّر شيخ الأزهر عن حزنه العميق لفقدان أحد كبار العلماء الذين ارتبط اسمهم بالمؤسسة الأزهرية علمًا ومنهجًا وانتماءً. وأكد أن الراحل كان مثالًا للعالم الأزهري المخلص، الذي جمع بين التكوين الأكاديمي الدقيق والروح الدعوية الهادئة، وبين الأصالة الفقهية والانفتاح الواعي على قضايا العصر.
ولم يكن نعي الأزهر مجرد كلمات عزاء، بل شهادة مؤسسية تؤرخ لمسار علمي امتد عبر عقود، ظل خلاله الدكتور محمد حسن هيتو مرتبطًا بالأزهر قلبًا وقالبًا، مؤمنًا برسالته الوسطية، ومتمسكًا بأدواته العلمية القائمة على الجمع بين النص والفهم، وبين التراث والتجديد المنضبط
من دمشق إلى رحاب الأزهر: رحلة طلب علم لا تعرف التردد
وُلد الدكتور محمد حسن هيتو في سوريا، ونشأ في بيئة علمية دفعت به مبكرًا إلى التعلق بالعلوم الشرعية غير أن محطته الفارقة كانت قراره الالتحاق بالأزهر الشريف في مرحلة مبكرة من حياته، في وقتٍ كان فيه السفر لطلب العلم مغامرة تحتاج إلى عزيمة راسخة.
التحق الفقيد بكلية الشريعة والقانون، حيث أظهر تفوقًا لافتًا بين أقرانه، وتميّز بقدرة تحليلية عميقة في مباحث أصول الفقه، ذلك العلم الذي يُعنى بوضع القواعد المنهجية لفهم النصوص واستنباط الأحكام واصل مسيرته العلمية حتى حصل على درجة الدكتوراه في أصول الفقه، متسلحًا بأدوات بحثية رصينة، ومتمكنًا من المذاهب الفقهية ومقارباتها الأصولية.
أصول الفقه… العلم الذي صاغ مشروعه العلمي
لم يكن تخصص الدكتور هيتو في أصول الفقه مجرد اختيار أكاديمي، بل كان مشروعًا علميًا متكاملًا فقد أدرك مبكرًا أن أصول الفقه تمثل العقل المنهجي للشريعة الإسلامية، وأن ضبطها وتأصيلها هو الضمانة الحقيقية لصحة الفتوى وسلامة الاجتهاد.
انكبّ على دراسة المذهب الشافعي، وبرز كأحد أبرز المعاصرين الذين خدموه تأليفًا وشرحًا وتحقيقًا وتميزت كتاباته بالجمع بين العرض التراثي الدقيق، والتحليل المقارن، والقدرة على تقريب المسائل المعقدة لطلاب الدراسات العليا، دون إخلال بعمقها العلمي.
وقد خلّف وراءه مؤلفات وموسوعات فقهية أصبحت مراجع معتمدة في عدد من الجامعات، لما اتسمت به من ضبطٍ للمصطلح، وتحقيقٍ للنقول، وحرصٍ على تحرير محل النزاع في المسائل الخلافية.
بين التدريس والتأليف… أثرٌ ممتد في الأجيال
لم يكن عطاؤه مقتصرًا على التأليف، بل كان التدريس أحد أبرز ميادين تأثيره. فقد تتلمذ على يديه عدد كبير من الباحثين وطلاب الدراسات العليا، الذين وجدوا فيه أستاذًا دقيقًا في منهجه، رحيمًا في تعامله، حريصًا على غرس ملكة البحث لا مجرد نقل المعلومات.
وكان يؤكد دائمًا أن مهمة أستاذ أصول الفقه لا تقتصر على شرح المتون، بل تتمثل في تدريب الطالب على التفكير المنهجي، والقدرة على تحليل النصوص، وربط الجزئيات بالكليات. لذلك، ترك وراءه مدرسة علمية واضحة المعالم، تقوم على احترام التراث، والانضباط المنهجي، والابتعاد عن التعصب المذهبي.
نموذج للعالم الأزهري في انتمائه ومنهجه
أحد أبرز ما ميّز شخصية الدكتور محمد حسن هيتو، كما جاء في بيان الأزهر، إصراره في مقتبل حياته على الانتساب إلى الأزهر الشريف، واعتزازه الدائم بهذه النسبة فقد كان يرى في الأزهر حاضنةً للعلم الوسطي، ومنارةً للفقه الرشيد، ومؤسسةً حافظت على توازنها العلمي عبر القرون.