في سجلّ الأيام التي احتفظت بها الذاكرة الإسلامية بوصفها محطاتٍ للفقد الموجع، يبرز السابع من شهر رمضان بوصفه موعدًا تكرّر فيه رحيل ثلّة من كبار العلماء والزهاد، الذين تركوا بصمات عميقة في ميادين التصوف والوعظ والقراءة والشعر وعلى امتداد قرون متباعدة.

 كان هذا اليوم شاهدًا على انطفاء مصابيح علم، غير أن أثرهم ظلّ ممتدًا في كتب التراث، وفي مدارس السلوك، وفي ضمير الأمة.
سري السقطي.. شيخ بغداد الذي صاغ مدرسة الزهد السني

في القرن الثالث الهجري، حين كانت بغداد عاصمة الدنيا ومهوى أفئدة العلماء، بزغ نجم أحد أبرز أعلام التصوف السني، الرجل الذي عُرف بالورع الشديد، وصفاء السريرة، وعمق التربية الروحية. إنه سري بن المغلس السقطي، الذي اقترن اسمه بالمدرسة البغدادية في التصوف.

نشأ السقطي في بيئة علمية وروحية، وتتلمذ على يد شيخ الزهاد في عصره معروف الكرخي، الذي كان له أثر بالغ في تشكيل ملامح شخصيته الروحية. ولم يكن هذا التتلمذ مجرد علاقة علمية، بل كان امتدادًا لسلسلة روحية أسهمت في ترسيخ مفاهيم الزهد السني القائم على التمسك بالكتاب والسنة، بعيدًا عن الشطحات والانحرافات.

الزهد سلوكًا لا شعارًا

لم يكن سري السقطي واعظًا تقليديًا، بل كان نموذجًا حيًا للزهد العملي. تُنقل عنه مواقف عديدة تعبّر عن شدة محاسبته لنفسه، وعن خوفه من الرياء، حتى إنه كان يعدّ إخلاص النية أعظم من العمل ذاته وكان يرى أن الطريق إلى الله لا يُقـ.ـطع بكثرة الأقوال، بل بصدق الأحوال.

ارتبط اسمه كذلك بتربية عدد من كبار أعلام التصوف، وفي مقدمتهم الجنيد البغدادي، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز منظّري التصوف السني وبذلك لم يكن السقطي مجرد عابد منعزل، بل كان مؤسسًا لمدرسة تربوية أثّرت في مسار الفكر الروحي الإسلامي.

الرحيل والدفن في الشونيزية

في السابع من رمضان سنة 251 هـ، طُويت صفحة هذا العالم الزاهد، وشيّعه أهل بغداد في مشهد مهيب، قبل أن يُوارى الثرى في مقبرة الشونيزية، التي ضمّت قبور عدد من العلماء والأولياء. وبرحيله، فقدت بغداد أحد أعمدة زهدها، غير أن مدرسته بقيت حية في كتب السير وقلوب المريدين.

زين الدين ابن نُجَيَّة.. واعظ دمشق الذي واجه المؤامرة بالحكمة

في أواخر القرن السادس الهجري، كانت الشام تعيش تحولات سياسية كبرى، في ظل صراع محتدم مع الصليبيين وفي هذا المناخ المضطرب، برز زين الدين علي بن إبراهيم، المعروف بابن نُجَيَّة، واعظًا دمشقيًا عُرف بورعه وصدقه.

كان ابن نُجَيَّة من العلماء الذين جمعوا بين العلم الشرعي والجرأة في قول الحق. لم يكن حضوره في المجالس قاصرًا على الإرشاد الروحي، بل امتد إلى الشأن العام، حيث لعب دورًا محوريًا في كشف إحدى المؤامرات التي كادت تعصف باستقرار الدولة.

قربٌ من صلاح الدين الأيوبي

ارتبط اسم ابن نُجَيَّة بمرحلة حكم القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، الذي وجد فيه ناصحًا أمينًا وعالمًا صادقًا. وتشير المصادر إلى أن ابن نُجَيَّة أسهم في كشف مؤامرة حيكت ضد السلطان، تورط فيها عمارة اليمني وآخرون، ما جعله محل ثقة وتقدير من قبل القيادة السياسية.

هذا الدور لم يكن عابرًا؛ فقد عكس طبيعة العلاقة بين العلماء والحكام في تلك المرحلة، حيث كان العالم الصادق يُعدّ صمام أمان أخلاقيًا وسياسيًا، يُذكّر بالحق، ويحذّر من الفتن.

وعظٌ يفيض ورعًا

اشتهر ابن نُجَيَّة بخطبه المؤثرة، التي كانت تمزج بين التذكير بالآخرة والتحذير من الظلم، مع تركيز خاص على تزكية النفس. وكان حضوره في دمشق لافتًا، حتى صار اسمه مقترنًا بمجالس الوعظ التي تستقطب العامة والخاصة على حد سواء.

وفي السابع من رمضان سنة 599 هـ، رحل هذا الواعظ الدمشقي، تاركًا خلفه إرثًا من المواقف الجريئة، والسيرة النظيفة التي جعلته واحدًا من أعلام عصره.

شهاب الدين الحجازي.. شاعرٌ ومقرئ جمع بين البيان والتلاوة


في القرن التاسع الهجري، ظهر شهاب الدين أبو الطيب الأنصاري، المعروف بالشيخ الحجازي، الذي جمع بين الشعر والقراءة، فكان مثالًا للعالم الموسوعي الذي لم يحصر نفسه في مجال واحد.

تلقى علومه على يد عدد من شيوخ عصره، وبرع في القراءات القرآنية، حتى عُدّ من أبرز مقرئي زمانه. ولم يكتفِ بذلك، بل خاض ميدان الشعر، حيث عبّر بقصائده عن معاني الزهد والتقوى، إلى جانب موضوعات أخرى عكست ثقافة عصره.

حضور ثقافي في عصره

تميّز الحجازي بحضور ثقافي لافت، إذ كان مجلسه مقصدًا لطلاب العلم ومحبي الأدب وقد ساعده إتقانه للقراءات على ترسيخ مكانته في الأوساط العلمية، في وقت كانت فيه علوم القرآن تحظى بعناية خاصة.

لم يكن الجمع بين الشعر والقراءة أمرًا شائعًا على هذا المستوى من التميز، ما جعل الحجازي حالة فريدة في عصره، تجمع بين جمال الأداء القرآني ورهافة الحس الأدبي.

في السابع من رمضان سنة 875 هـ، أسدل الستار على حياة هذا العالم الشاعر، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والأدبي وبرحيله، فقدت الساحة العلمية أحد وجوهها البارزة، غير أن آثاره بقيت شاهدة على تنوع المدرسة الإسلامية في عصورها المختلفة.