في أجواء رمضانية عامرة بالروحانية والتاريخ، يشهد الجامع الأزهر اليوم احتفالية كبرى بمناسبة مرور 1086 عامًا على تأسيسه، في مشهد يجمع بين عبق الماضي وأصالة الحاضر، ويؤكد استمرار هذا الصرح العريق في أداء رسالته العلمية والدعوية الممتدة عبر القرون.
وتُقام الفعاليات اليوم الأربعاء السابع من شهر رمضان المبارك لعام 1447 هجريًا، برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وبحضور الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف، إلى جانب عدد من قيادات وعلماء المؤسسة الأزهرية.
الاحتفال لا يقتصر على كونه مناسبة سنوية، بل يُعد محطة تأمل في تاريخ مؤسسة شكلت وجدان الأمة، وأسهمت في صناعة علمائها، ووقفت في طليعة المدافعين عن قضاياها الفكرية والوطنية.
برنامج احتفالي يعكس مكانة الأزهر العلمية
تنطلق فعاليات الاحتفالية في تمام الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرًا، وتبدأ بتلاوة عطرة من القرآن الكريم يتلوها أحد أئمة الجامع الأزهر، في مشهد يعكس الطبيعة الروحية للمناسبة، ويؤكد أن القرآن كان وما زال محور الرسالة الأزهرية.
يعقب التلاوة كلمة لمقدم الحفل، تتناول أهمية هذه الذكرى، ودلالاتها التاريخية والحضارية، قبل أن تتوالى كلمات قيادات الأزهر وعلمائه، في ترتيب يعكس تدرج المسؤوليات وتكامل الأدوار داخل المؤسسة.
يلقي الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف على الرواق الأزهري، كلمة تسلط الضوء على دور الأروقة العلمية في تخريج العلماء ونشر المنهج الوسطي، تليها كلمة للدكتور محمد الجندي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، يستعرض خلالها الجهود العلمية والبحثية للمجمع في مواجهة القضايا الفكرية المعاصرة.
كما يتحدث الدكتور عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء، متناولًا الدور المرجعي للهيئة في الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية، ثم يلقي الدكتور سلامة داوود رئيس جامعة الأزهر كلمة تستعرض مسيرة الجامعة وتطورها الأكاديمي والعلمي.
وتُختتم الكلمات بكلمة الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، التي من المنتظر أن تتناول الرؤية المستقبلية للمؤسسة، وسبل تعزيز حضورها العلمي والدعوي في الداخل والخارج.
لا تقتصر الاحتفالية على الكلمات الرسمية، بل تتضمن مجموعة متنوعة من الأنشطة والفعاليات التي تنطلق عقب صلاة الظهر مباشرة، وتهدف إلى تعريف الحضور بتاريخ الأزهر، ومكانته العلمية، وأبرز محطاته التاريخية.
وتسلط الفعاليات الضوء على الهيئات العلمية والتعليمية المختلفة داخل الأزهر، مثل مجمع البحوث الإسلامية، وهيئة كبار العلماء، والرواق الأزهري، إضافة إلى جامعة الأزهر بمختلف كلياتها الشرعية والعلمية، بما يعكس اتساع دائرة التأثير الأزهري.
كما تتناول الأنشطة التعريف بأبرز شيوخ الأزهر وعلمائه الذين تركوا بصمات واضحة في الفقه، واللغة، والتفسير، والحديث، والفلسفة، والعلوم الإنسانية، فضلًا عن استعراض مواقف الأزهر التاريخية من قضايا الأمة، سواء في مواجهة الاستعمار، أو في الدفاع عن الهوية، أو في دعم قضايا التحرر والعدالة.
وتشهد الاحتفالية كذلك فقرات من الابتهالات الدينية يؤديها أحد طلاب الأزهر الشريف، في لوحة روحية تعيد إلى الأذهان صورة الأزهر كمنارة علم وذكر، يجتمع فيها الفقه مع التزكية، والعلم مع العبادة.
قرار تاريخي بتخليد يوم التأسيس
الاحتفال بذكرى تأسيس الجامع الأزهر لم يأتِ مصادفة، بل يستند إلى قرار رسمي اتخذه المجلس الأعلى للأزهر في مايو 2018، برئاسة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، يقضي باعتبار السابع من رمضان من كل عام يومًا سنويًا للاحتفال بذكرى افتتاح الجامع الأزهر.
ويعود تاريخ افتتاح الجامع إلى السابع من رمضان عام 361 هجريًا، ليبدأ منذ ذلك التاريخ مسارًا طويلًا من العطاء العلمي والفكري، تحول خلاله من مسجد تقام فيه الصلوات، إلى جامعة عالمية ومؤسسة دينية ذات تأثير ممتد في العالم الإسلامي.
القرار يعكس وعيًا بأهمية الذاكرة المؤسسية، وحرصًا على ربط الأجيال الجديدة بتاريخهم العلمي والحضاري، في وقت تتسارع فيه التغيرات وتتعدد التحديات.
على مدار أكثر من ألف عام، مر الأزهر بمحطات تاريخية متعددة، شهد خلالها فترات ازدهار وتحديات، لكنه ظل محتفظًا بمكانته كمرجعية سنية كبرى، وكمركز لنشر منهج الاعتدال والوسطية.
تحول الأزهر إلى قبلة للطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، حيث وفد إليه الدارسون من إفريقيا وآسيا وأوروبا، ليعودوا إلى بلدانهم سفراء للعلم والمنهج الأزهري.
ومع تطور الدولة الحديثة، توسعت مؤسسات الأزهر لتشمل جامعة تضم عشرات الكليات، ومعاهد أزهرية في مختلف المحافظات، ومراكز بحثية متخصصة، إضافة إلى بعثات علمية خارجية ومكاتب إقليمية تعزز حضوره الدولي.
رسالة مستمرة في زمن التحديات
تأتي هذه الاحتفالية في ظل تحديات فكرية وثقافية معاصرة، تفرض على المؤسسات الدينية مسؤوليات مضاعفة في مواجهة التطرف، وتصحيح المفاهيم، وتعزيز قيم التعايش والسلام.
ويؤكد القائمون على الأزهر أن الاحتفال بذكرى التأسيس ليس مجرد استدعاء للماضي، بل تجديد للعهد على مواصلة الرسالة، وتطوير أدوات العمل، والانفتاح على قضايا العصر، دون التفريط في الثوابت.