شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة حالة من الجدل والنقاش الواسع عقب تداول فتوى منسوبة إلى أحد علماء الأزهر الشريف بشأن كيفية التعامل مع كلاب الشوارع، حيث انتشرت منشورات وتعليقات اعتبرت أن الفتوى تدعو إلى قتل الكلاب الضالة بصورة عامة، وهو ما أثار ردود فعل متباينة بين رواد مواقع التواصل، وانقسمت الآراء بين من رأى أن الأمر يتعلق بحماية المواطنين، وبين من اعتبر أن ذلك يتعارض مع مبادئ الرفق بالحيوان التي دعا إليها الإسلام.
ومع تزايد الجدل واتساع دائرة النقاش، خرج الدكتور عطية لاشين، عضو لجنة الفتوى بالجامع الأزهر الشريف، لتوضيح حقيقة الفتوى وكشف مضمونها الكامل، مؤكدًا أن ما جرى تداوله لا يعبر عن مضمون الفتوى بصورة دقيقة، وأن أجزاءً منها نُقلت بشكل مجتزأ أدى إلى سوء فهم واسع النطاق وإثارة حالة من الالتباس بين المتابعين.
وأكد الدكتور عطية لاشين أن الأزمة التي أثيرت حول الفتوى تعود في المقام الأول إلى تداول مقتطفات محددة منها دون عرض النص الكامل وما تضمنه من ضوابط وأحكام وشروط شرعية، وهو ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن الشريعة الإسلامية تبيح قتل جميع الكلاب الضالة دون تفرقة، وهو فهم غير صحيح ولا يتفق مع حقيقة ما ورد في الفتوى.
وأوضح أن الأحكام الشرعية لا يمكن التعامل معها من خلال عبارات مبتورة أو مقاطع قصيرة يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل يجب الرجوع إلى النص الكامل وفهم المقاصد الشرعية التي بُنيت عليها الأحكام، مؤكدًا أن الفقه الإسلامي يعتمد على دراسة الواقع ومراعاة المصالح والمفاسد وتحقيق التوازن بين مختلف الحقوق.
وأشار إلى أن الشريعة الإسلامية تقوم على قواعد راسخة من الرحمة والعدل وصيانة الأرواح، وأنها لا تسمح بالاعتداء على أي مخلوق دون مبرر شرعي معتبر، موضحًا أن الفتوى التي أثير حولها الجدل جاءت لمعالجة أوضاع محددة تتعلق بالحيوانات التي تمثل خطرًا مباشرًا على الإنسان والمجتمع.
وخلال مداخلة هاتفية ببرنامج «اليوم هنا القاهرة» المذاع عبر قناة «مودرن إم تي آي» مع الإعلامي محمد الدسوقي رشدي، شدد عضو لجنة الفتوى بالجامع الأزهر الشريف على أن الإسلام عُرف منذ ظهوره بأنه دين الرحمة والإنسانية والتسامح، وأن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حافلة بالدعوات إلى الرفق بالحيوان والإحسان إليه.
وأوضح أن التشريع الإسلامي لم يقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان فقط، بل امتدت أحكامه لتشمل كيفية التعامل مع الحيوان والطير وسائر المخلوقات، بما يضمن لها حقها في الحياة والرعاية وعدم التعرض للأذى بغير حق.
وأضاف أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدّم نماذج عظيمة في الرحمة بجميع المخلوقات، وأن السنة النبوية تضمنت العديد من النصوص التي تحث على الإحسان للحيوان وتحذر من تعذيبه أو إيذائه، الأمر الذي يعكس المكانة التي يحتلها مبدأ الرحمة في المنظومة الإسلامية.
كما استشهد بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن قتل النساء والأطفال في أوقات الحروب، مبينًا أن هذه التوجيهات النبوية تؤكد عظمة الإسلام في احترام الحياة وصون الحقوق وعدم جواز الاعتداء على أي نفس دون سبب مشروع.
وأكد الدكتور عطية لاشين أن الحديث عن الكلاب في الفقه الإسلامي لا يتم بصورة عامة أو مطلقة، وإنما يخضع لطبيعة الحيوان وسلوكه ومدى تأثيره على أمن المجتمع وسلامة المواطنين.
وأوضح أن هناك كلابًا مستأنسة أو مسالمة تعيش في محيط الإنسان دون أن تشكل خطرًا عليه، وتتسم بالهدوء وعدم العدوانية، ولا تتسبب في أي أضرار أو تهديدات للمواطنين، مشددًا على أن هذا النوع لا يجوز قتله أو الاعتداء عليه بأي صورة من الصور.
وأشار إلى أن الفتوى كانت واضحة في هذا الجانب، حيث فرقت بشكل صريح بين الحيوان المسالم الذي يجب الحفاظ عليه وعدم التعرض له، وبين الحيوان الذي يتحول إلى مصدر خطر حقيقي يهدد حياة الناس وسلامتهم.
وأكد أن الشريعة الإسلامية لا تبيح إزهاق روح أي كائن حي لمجرد وجوده في الشارع أو اختلاف الناس حوله، وإنما تنظر إلى طبيعة الضرر ومدى تحقق الخطر قبل إصدار أي حكم يتعلق بالتعامل معه.
وفي المقابل، أوضح عضو لجنة الفتوى بالأزهر أن الفقه الإسلامي تحدث عن نوع آخر من الكلاب يُعرف بالكلب العقور، وهو الحيوان الذي يتسم بالشراسة والعدوانية ويهاجم الناس أو يتسبب في إصابتهم أو نشر الخوف بينهم.
وأكد أن الشريعة الإسلامية أجازت التعامل مع هذا النوع من الحيوانات إذا أصبح مصدر تهديد حقيقي للمواطنين، مستندة في ذلك إلى ما ورد في السنة النبوية الشريفة من أحكام تتعلق بالكلب العقور والحيوانات المؤذية التي تهدد أمن الإنسان وسلامته.
وأضاف أن المقصود من هذه الأحكام ليس الاعتداء على الحيوان أو الانتقام منه، وإنما دفع الضرر وحماية الأرواح وتحقيق المصلحة العامة، وهي من المقاصد الكبرى التي جاءت الشريعة الإسلامية للحفاظ عليها.
وأشار إلى أن الحفاظ على حياة الإنسان وأمنه يعد من الضرورات الأساسية التي أولتها الشريعة اهتمامًا كبيرًا، ولذلك أجازت اتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه كل ما يشكل خطرًا مباشرًا على المجتمع.
وشدد الدكتور عطية لاشين على أن حماية المواطنين من الأخطار المحتملة تمثل مسؤولية شرعية وأخلاقية ومجتمعية، موضحًا أن بعض الكلاب الشرسة أو المصابة بأمراض خطيرة قد تشكل تهديدًا مباشرًا للأطفال وكبار السن والمارة في الشوارع والميادين والأحياء السكنية.
وأضاف أن الجهات المختصة مطالبة بالتعامل مع هذه الظواهر وفق أساليب علمية وإنسانية تراعي سلامة المواطنين وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق الحيوان، مؤكدًا أن معالجة الظاهرة يجب أن تتم وفق ضوابط واضحة تحقق التوازن بين متطلبات الأمن العام ومبادئ الرفق بالحيوان.
وأوضح أن الشريعة الإسلامية لا تضع الإنسان والحيوان في حالة صراع، وإنما تسعى إلى إيجاد معادلة متوازنة تحفظ الحقوق وتمنع الأضرار وتحقق الاستقرار للمجتمع.
وأكد عضو لجنة الفتوى بالجامع الأزهر الشريف أن الإسلام يوازن دائمًا بين حق الإنسان في الأمن والسلامة وحق الحيوان في الحياة والرعاية، فلا يسمح بالاعتداء على الحيوانات المسالمة أو إيذائها دون سبب، وفي الوقت نفسه لا يترك المجتمع عرضة للأخطار التي قد تنجم عن الحيوانات المؤذية أو العدوانية.