أكد المفكر والدبلوماسي المصري الدكتور مصطفى الفقي أن الأزهر الشريف يمثل أحد أبرز أعمدة القوة الناعمة المصرية، ودعامة أساسية للحضور المصري المؤثر على المستويين الإقليمي والدولي، مشددًا على أن مكانة الأزهر لا تقتصر على كونه مؤسسة دينية عريقة داخل مصر، بل تمتد لتشمل العالم الإسلامي بأسره، فضلًا عن دوره الإنساني والحضاري في معالجة القضايا العالمية المعاصرة.

جاء ذلك خلال استضافته في حلقة جديدة من برنامج "أزهر بودكاست"، في حوار أجراه معه الكاتب الصحفي أحمد الصاوي، رئيس تحرير مجلة صوت الأزهر، حيث استعرض الفقي جوانب متعددة من تجربته الشخصية والفكرية مع الأزهر الشريف، كاشفًا عن مواقف تاريخية ودبلوماسية تؤكد حجم التأثير الذي تتمتع به المؤسسة الأزهرية في مختلف أنحاء العالم.

وتحدث الدكتور مصطفى الفقي عن بدايات علاقته بالأزهر الشريف، موضحًا أن ارتباطه بالمؤسسة العريقة يعود إلى سنوات الطفولة الأولى، حيث نشأ في بيئة أزهرية كان لها بالغ الأثر في تشكيل شخصيته الفكرية والدينية.

وأشار إلى أن تلك البيئة أسهمت في ترسيخ قيم الاعتدال والانفتاح والتوازن الفكري داخله، كما عززت تقديره للعلماء والدعاة ورجال الفكر الذين حملوا رسالة الأزهر عبر الأجيال، مؤكدًا أن المؤسسة الأزهرية لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية أو دينية، وإنما مدرسة متكاملة في بناء الوعي وصناعة الشخصية الوطنية المستنيرة.

وأوضح أن الأزهر ظل عبر تاريخه الطويل أحد أهم الحصون التي حافظت على الهوية المصرية والعربية والإسلامية، وأسهم في نشر الفكر الوسطي ومواجهة موجات الغلو والتطرف التي شهدها العالم في فترات مختلفة.

وخلال حديثه، استعرض الفقي عددًا من المحطات التاريخية التي تؤكد الدور الوطني للأزهر الشريف، مشيرًا إلى أن علماء الأزهر عبر العصور ارتبطوا دائمًا بالدفاع عن مصالح الوطن والانتصار لقضايا الأمة.

وأكد أن الأزهر تميز باستقلالية مواقفه وحرص علمائه على التمسك بكلمة الحق مهما كانت الظروف، وهو ما أكسب المؤسسة احترامًا واسعًا داخل مصر وخارجها.

وأضاف أن قوة الأزهر لم تنبع فقط من مكانته العلمية والدينية، بل من رصيده التاريخي في الدفاع عن القيم والمبادئ، ومشاركته في مختلف القضايا الوطنية الكبرى التي مرت بها البلاد.

وفي سياق حديثه عن المكانة الدولية للأزهر، كشف الدكتور مصطفى الفقي عن واحدة من أبرز الوقائع الدبلوماسية التي تعكس حجم التقدير العالمي الذي تحظى به المؤسسة الأزهرية.

وأوضح أن رئيسة وزراء الهند الراحلة إنديرا غاندي كانت حريصة على الحصول على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة الأزهر على وجه التحديد، نظرًا لما تمثله الجامعة والأزهر الشريف من ثقل روحي ومعنوي لدى المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

وأشار إلى أن هذه الرغبة لم تكن مرتبطة فقط بالجانب الأكاديمي، بل عكست إدراكًا عميقًا للتأثير الذي يمثله الأزهر في وجدان الشعوب الإسلامية، خاصة في المجتمعات التي تضم أعدادًا كبيرة من المسلمين، وهو ما منح المؤسسة مكانة استثنائية في الحسابات السياسية والدبلوماسية الدولية

كما استعاد الفقي ذكريات زيارة له إلى الجزائر خلال ستينيات القرن الماضي، كاشفًا عن موقف يعكس حجم التقدير الذي كانت تحظى به المؤسسة الأزهرية لدى القيادات العربية.

وأوضح أن الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين أبدى خلال تلك الفترة احترامًا بالغًا للأزهر الشريف، معتبرًا أن المكانة العلمية والدينية للمؤسسة المصرية العريقة تستوجب معاملة بروتوكولية تتناسب مع حجمها وتأثيرها.

وأكد أن هذا التقدير لم يكن مجرد موقف عابر، بل أسهم في تعزيز النظرة الرسمية إلى مكانة شيخ الأزهر، وترسيخ حضوره ضمن الرموز الوطنية والدينية الكبرى في الدولة المصرية.

وكشف الدكتور مصطفى الفقي عن واحدة من الوقائع المهمة التي تؤكد الثقة الدولية الكبيرة في منهج الأزهر الوسطي، موضحًا أن الحكومة النمساوية اختارت علماء الأزهر لتدريب الدعاة المسلمين لديها.

وأشار إلى أن هذا الاختيار لم يأت من فراغ، وإنما جاء نتيجة السمعة التي اكتسبها الأزهر عالميًا باعتباره المرجعية الإسلامية الأبرز للفكر المعتدل، والقادر على تقديم خطاب ديني متوازن يجمع بين الالتزام الديني والانفتاح على العصر.

وأضاف أن العالم بات ينظر إلى الأزهر باعتباره مؤسسة قادرة على تقديم حلول فكرية وثقافية لمواجهة التطرف، وهو ما جعله محل ثقة لدى العديد من الدول التي تسعى إلى تعزيز قيم التعايش والاندماج واحترام التنوع الديني والثقافي.

شيوخ الأزهر.. شخصيات صنعت تاريخ المؤسسة

وتناول الفقي خلال الحوار عددًا من الشخصيات التي تولت مشيخة الأزهر على مدار العقود الماضية، مؤكدًا أن كل مرحلة تاريخية كان لها الشيخ الذي يعبر عن طبيعتها ومتطلباتها.

وأشار إلى أن شيوخ الأزهر الذين عاصرهم تركوا بصمات واضحة في مسيرة المؤسسة، كلٌ وفقًا للظروف والتحديات التي واجهتها الأمة في عصره.

وأشاد بشكل خاص بالإمام الراحل الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، مؤكدًا أنه كان نموذجًا للعالم المستقل صاحب المواقف الواضحة، وأنه لعب دورًا بارزًا في الحفاظ على مكانة الأزهر وهيبته خلال فترة مهمة من تاريخ مصر.

وفي حديثه عن فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، أكد الدكتور مصطفى الفقي أن الإمام الطيب كان الشخصية الأنسب لقيادة المؤسسة الأزهرية خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا وحساسية في التاريخ المصري الحديث.

وأوضح أن المرحلة التي أعقبت أحداث عام 2011 كانت مليئة بالتحديات الفكرية والسياسية والاجتماعية، إلا أن الإمام الطيب نجح في الحفاظ على توازن الأزهر واستقلاليته، كما تمكن من ترسيخ دوره الوطني والإنساني.

وأشار إلى أن من أبرز إنجازات تلك المرحلة إطلاق مجموعة من الوثائق الفكرية المهمة التي جمعت بين علماء الدين والمثقفين والمفكرين، وأسهمت في بناء أرضية مشتركة تقوم على احترام الحريات وترسيخ التعايش وقبول الآخر.

وأكد الفقي أن الوثائق التي أصدرها الأزهر عقب ثورة يناير مثلت تجربة فريدة في الحوار الوطني والفكري، حيث نجحت في الجمع بين المرجعية الدينية والرؤية الثقافية المدنية.

وأوضح أن تلك الوثائق قدمت نموذجًا راقيًا للتعاون بين العلماء والمفكرين، وأسهمت في تعزيز قيم المواطنة والتعددية الفكرية، فضلًا عن دعم مفاهيم الحرية والمسؤولية والحوار المجتمعي.

وأضاف أن هذه المبادرات أكدت أن الأزهر ليس مجرد مؤسسة دينية تقليدية، وإنما مؤسسة تمتلك رؤية حضارية شاملة قادرة على التفاعل مع قضايا العصر.

وتوقف الفقي عند وثيقة الأخوة الإنسانية باعتبارها واحدة من أهم المبادرات الإنسانية التي خرجت إلى العالم خلال السنوات الأخيرة، مؤكدًا أنها أصبحت نموذجًا عالميًا لمواجهة التعصب والكراهية والتطرف.

وأشار إلى أن الوثيقة قدمت رؤية إنسانية متكاملة تقوم على احترام الكرامة الإنسانية وتعزيز ثقافة الحوار والتعاون بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، وهو ما جعلها تحظى باهتمام دولي واسع وتتحول إلى مرجع أخلاقي وإنساني في العديد من المحافل العالمية.

وشدد المفكر المصري على أن دعم الأزهر للقضية الفلسطينية يمثل امتدادًا طبيعيًا لرسالته الدينية والإنسانية، مؤكدًا أن المؤسسة الأزهرية لم تتخل يومًا عن دورها في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وأوضح أن الأزهر استخدم منابره العلمية والدعوية لتصحيح المفاهيم وكشف الحقائق وإبراز عدالة القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن مواقفه جاءت دائمًا منسجمة مع المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي يدافع عنها.

كما أشاد بالموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن الدولة المصرية وقيادتها السياسية وقفت بقوة في مواجهة محاولات تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، ودعمت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.