شهدت إحدى مدارس مركز فاقوس بمحافظ الشرقية واقعة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط التعليمية، بعدما أقدم عدد من أولياء الأمور على التجمهر داخل المدرسة، ما أسفر عن وقوع اعتداءات على بعض المعلمات، وذلك على خلفية خلافات مرتبطة بسير وضوابط الامتحانات.

تفاصيل الواقعة 

وتشير تفاصيل الواقعة إلى وجود معلمة بإحدى المدارس الإعدادية وهي ولية أمر طالبة تؤدي الامتحان بذات المدرسة وسيدة أخرى ولية أمر طالب، وقد نشبت مشاجرة بينهما داخل المدرسة بسبب رفض نجلة الأولى مساعدة نجلة شقيقة الثانية في الغش أثناء أدائهما الامتحان، قامت على إثرها بالتعدى بالضرب على المدرسة.

وتسلط الحادثة الضوء على عدد من الإشكاليات المرتبطة بالبيئة التعليمية، أبرزها طبيعة العلاقة بين أولياء الأمور والمدارس، وحدود التدخل في القرارات الإدارية والتربوية، وضرورة إعادة ضبط آليات التواصل بما يضمن الحفاظ على استقرار العملية التعليمية وعدم تأثرها بأي سلوكيات فردية أو انفعالات.

1828611
الدكتور أسامة قابيل من علماء الأزهر الشريف 

الغش حرام شرعا وجريمة أخلاقية

وفي هذا السياق علق الدكتور أسامة قابيل من علماء الأزهر الشريف على هذه الواقعة قائلا إن أي تجاوز داخل المؤسسات التعليمية، سواء كان لفظيًا أو بدنيًا، مرفوض شرعًا وأخلاقيًا، لما تمثله المدرسة من مكانة تربوية يجب الحفاظ عليها وصونها وعدم المساس بها تحت أي ظرف، مؤكدًا أن الغش محرم شرعا وجريمة أخلاقية كبرى حيث قال صلى الله عليه وسلم “من غش فليس منا”

وأوضح  في تصريح خاص لجريدة "اليوم" أن معالجة أي خلاف داخل المنظومة التعليمية يجب أن تتم عبر القنوات الرسمية وبأسلوب هادئ ومنضبط، بعيدًا عن العنف أو الانفعال، مؤكدًا أن الدين الإسلامي يحث على ضبط النفس واحترام المؤسسات والالتزام بالقواعد التي تنظم حياة الناس.

التعليم رسالة أخلاقية 

وأضاف أن اللجوء إلى العنف أو التعدي داخل المدارس ينعكس بشكل سلبي على الطلاب، ويخلق بيئة غير مستقرة تؤثر على التحصيل الدراسي والسلوك العام، مشددًا على أن التعليم رسالة تقوم على الأخلاق والانضباط قبل أي شيء آخر.

وأشار إلى أن احترام المعلم والمؤسسة التعليمية يعد من القيم الأساسية في بناء المجتمع، وأن أي إخلال بهذا الاحترام يؤدي إلى خلل في المنظومة التعليمية ككل، داعيًا إلى ضرورة ترسيخ ثقافة الاحترام والتقدير داخل المجتمع المدرسي.

1834651
الدكتور تامر شوقي الخبير التربوي 

مؤسسة تربوية وليست ساحة صراع

من جانبه قال دكتور تامر شوقي أستاذ المناهج بكلية التربية بجامعة عين شمس إن المدرسة ليست مكانًا للخلافات أو تصفية النزاعات، وإنما مؤسسة تعليمية وتربوية هدفها الأساسي بناء شخصية الطالب علميًا وسلوكيًا، مؤكدًا أن أي تجاوز داخلها ينعكس بشكل مباشر على استقرار العملية التعليمية ويؤثر على جودة المناخ الدراسي.

وأضاف في تصريح خاص لجريدة "اليوم" أن العلاقة بين ولي الأمر والمدرسة يجب أن تقوم على التعاون والتكامل وليس الصدام، موضحًا أن المدرسة تعمل ضمن إطار مؤسسي منظم يهدف إلى تحقيق مصلحة الطالب في المقام الأول، وأن أي تدخلات غير منضبطة داخل المدرسة قد تؤدي إلى إرباك العملية التعليمية وإضعاف هيبة المؤسسة التربوية أمام الطلاب.

وعي تربوي مطلوب

وأشار إلى أن تكرار مثل هذه الوقائع يعكس الحاجة إلى تعزيز ثقافة الحوار المؤسسي بين أولياء الأمور والإدارات المدرسية، بدلًا من اللجوء إلى الانفعالات أو ردود الفعل غير المنظمة، مؤكدًا أن وجود قنوات تواصل واضحة وفعالة بين الطرفين يسهم في حل المشكلات بشكل أكثر هدوءًا واحترافية.

وشدد على ضرورة تفعيل اللوائح المنظمة للعلاقة بين المدرسة وولي الأمر، مع تعزيز الوعي التربوي لدى أولياء الأمور بدور المدرسة، باعتبارها جهة مسؤولة عن التربية والتعليم وليست ساحة للنقاشات المفتوحة أو الضغوط الفردية، لافتًا إلى أن الحفاظ على استقرار البيئة التعليمية مسؤولية مشتركة بين الجميع.

Screenshot_٢٠٢٦٠٦١٣-٠٠٥١٥٢_WhatsApp
أحمد يوسف الخبير القانوني

واقعة الاعتداء على معلمة تحت مجهر القانون 

وعن رأي القانون في هذا الأمر قال أحمد يوسف محمد الخبير القانوني إن الواقعة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مشاجرة عادية، وإنما تمثل اعتداءً على شخص المعلمة وعلى حرمة المؤسسة التعليمية في آن واحد، مشيرا إلى أن المعلمة أثناء أداء رسالتها التربوية تمارس وظيفة ذات نفع عام، والاعتداء عليها داخل المدرسة يكتسب خطورة مضاعفة لأنه يقع في مكان يفترض أن يكون بيئة آمنة للتعليم والتربية.

وأضاف في تصريح خاص لجريدة "اليوم" أنه من الناحية القانونية قد تتعدد الأوصاف الجنائية بحسب ظروف الواقعة فتشمل جرائم الضرب أو الجرح العمد، والسب أو الإهانة إن وجدت، فضلًا عن أي أوصاف أخرى تتعلق بتعطيل سير المرفق التعليمي أو ترويع العاملين به.

 وأكد أن التكييف القانوني النهائي يتوقف على نتائج التحقيق وما يسفر عنه من أدلة وملابسات، مؤكدا أن العقوبة تتحدد وفقًا لجسامة الفعل والنتيجة المترتبة عليه، فالقانون يفرق بين الاعتداء الذي لا يخلّف إصابات تذكر، وبين الاعتداء الذي يترتب عليه إصابات أو عجز أو آثار نفسية ومهنية جسيمة.

تعويض مدني عن الأضرار 

ولفت إلى أن المشرع لا يتسامح مع الأفعال التي تمس أمن المؤسسات التعليمية أو العاملين بها، لأن حماية المعلم ليست حماية لشخصه فقط، وإنما حماية للعملية التعليمية ذاتها. ولذلك فإن ثبوت الواقعة قد يترتب عليه توقيع عقوبات سالبة للحرية أو غرامات أو كليهما، فضلًا عن حق المجني عليهم في المطالبة بالتعويض المدني عن الأضرار التي لحقت بهم.

خطورة مضاعفة 

وتابع قائلا: “بلا شك، فمكان وزمان ارتكاب الجريمة ليسا عنصرين محايدين في التقييم القانوني، فالاعتداء داخل المدرسة أثناء اليوم الدراسي لا يقتصر أثره على المجني عليه وحده، بل يمتد إلى الطلاب والعاملين ويؤثر على انتظام العملية التعليمية واستقرارها”.

ونوه على أن جهات التحقيق والمحاكم تنظر إلى مثل هذه الوقائع باعتبارها أكثر خطورة من الاعتداءات التي تقع في الظروف العادية، لأن الجاني هنا لا يعتدي على فرد فحسب، وإنما يعتدي بصورة غير مباشرة على هيبة المؤسسة التعليمية ورسالتها، ومن ثم فإن هذه الملابسات قد يكون لها أثر واضح في تقدير جسامة الجريمة والعقوبة المناسبة لها.

دليل رسمي لا رواية مجردة

وأشار الخبير القانوني إلى أن أول خطوة هي توثيق الواقعة بصورة فورية ودقيقة، لأن العدالة الجنائية تقوم على الدليل لا على الرواية المجردة، لذلك يجب تحرير محضر رسمي يتضمن كافة التفاصيل، وإثبات الإصابات من خلال التقارير الطبية، والتحفظ على تسجيلات كاميرات المراقبة، وسماع أقوال الشهود قبل تأثر ذاكرتهم بالوقت.

 وأكد أنه ينبغي على إدارة المدرسة أن تبادر بإعداد مذكرة رسمية بالواقعة وإخطار الجهات التعليمية المختصة، وعدم التعامل مع الأمر باعتباره خلافًا شخصيًا يمكن احتواؤه بصورة ودية، لأن الاعتداء داخل المؤسسة التعليمية يمثل مساسًا بالمرفق العام ذاته.

نفي وإثبات

جدير بالذكر أن مديرية تعليم الشرقية قد أصدرت بيانا عقب انتشار الواقعة أكدت فيه أنه لا وجود لمعلمات في هذه المشاجرة التي حدثت في فناء المدرسة وإنما كانت بين أولياء أمور بسبب مشكلات تتعلق بالميراث، لكن وزارة الداخلية تمكنت من ضبط طرفي الواقعة، وقد تبين وجود معلمة بإحدى المدارس الإعدادية، وبمواجهتهما اعترفت مرتكبة الواقعة أن ما حدث قد جاء بسبب رفض نجلة الأولى مساعدة نجلة شقيقتها فى الغش أثناء أداء الامتحان، قامت على إثرها بالتعدى بالضرب على المدرسة.