تحلّ اليوم الذكرى الميلادية لوفاة النبي محمد ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين في الثامن من يونيو عام 632م الموافق 12 ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، عن عمرٍ ناهز 63 عامًا، في لحظة مفصلية غيّرت مسار الإنسانية وفتحت صفحة جديدة في تاريخ الرسالة.
جاء النبي محمد ﷺ رحمةً للعالمين، فكان نموذجًا استثنائيًا جمع بين العدل والرحمة، وبين الحزم في إقامة الحق والتسامح في التعامل، ليقدّم مدرسة أخلاقية متكاملة امتدت آثارها عبر القرون.
﴿وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾ [آل عمران: 144]
بدأت ملامح اللحظات الأخيرة في حياة النبي ﷺ حين اشتد به المرض في صباح يوم الاثنين، وكان في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي رافقته في تلك الساعات الفاصلة، وأسندته إلى صدرها في مشهد إنساني بالغ الدلالة على عمق الوداع.
وفي سكرات الموت، رفع النبي ﷺ بصره إلى السماء، وبدأ يردد بصوت خافت ما روتْه عائشة رضي الله عنها:
"اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى"، وظل يكررها حتى فاضت روحه الطاهرة، ولحق بالرفيق الأعلى.
يروي أنس بن مالك رضي الله عنه مشهد ذلك اليوم بقوله:
"ما رأيت يومًا كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ، وما رأيت يومًا كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ"، في وصف يلخص حجم الفاجعة التي أصابت الأمة.
الوداع الأخير.. نظرة قبل الغياب
في لحظات الفجر الأخيرة، كان المسلمون في صلاةٍ يؤمهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فإذا بالنبي ﷺ يكشف ستر حجرته وينظر إلى أصحابه في الصفوف، في مشهد يملؤه الطمأنينة والسكينة.
همّ أبو بكر بالتراجع، لكن النبي ﷺ أشار إليه أن يتم صلاته، ثم عاد إلى حجرته وأرخى الستر، لتكون تلك النظرة آخر تواصل مباشر قبل بدء الرحيل.
في اللحظات الأخيرة، طلب النبي ﷺ السواك، فأخذته عائشة رضي الله عنها ولينته له، فاستاك به في مشهد يعكس اكتمال الطهارة في الوداع.
ثم رفع بصره إلى السماء، وتحركت شفتاه بالدعاء:
"مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى"، وظل يردد “الرفيق الأعلى” حتى سكنت أنفاسه، وانتقلت روحه الطاهرة.
لم تكن تلك اللحظات إلا امتدادًا لمسيرة طويلة من الرحمة والعفو، قدّم فيها النبي ﷺ نموذجًا إنسانيًا فريدًا في التسامح حتى مع من عاداه.
فتح مكة.. ذروة العفو
عند دخول مكة منتصرًا، وقف النبي ﷺ أمام خصومه، وسألهم: ما ترون أني فاعل بكم؟، فأجابوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فجاء الرد التاريخي:
"اذهبوا فأنتم الطلقاء"، في لحظة غيّرت مفهوم القوة والانتصار.
كما عفا عن محاولة قتله وهو نائم، وعفا عن المرأة اليهودية التي سمّمته، وكذلك عن اليهودي الذي سحره، رغم اعترافهم، ليبقى العفو سمة راسخة في سيرته.
وفي غزوة أحد، ورغم ما تعرض له من أذى وجراح، رفع النبي ﷺ يديه قائلاً:
"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، محوّلًا الألم إلى دعوة بالهداية لا بالانتقام.
جاءت سيرة النبي ﷺ نموذجًا متكاملًا في القيادة الأخلاقية؛ فعفا في حقوقه الخاصة، وأقام العدل في حقوق المجتمع، ليؤسس توازنًا فريدًا بين الرحمة والحزم، وبين التسامح وحماية الحقوق.