في توضيح مهم لمعنى العمل الصالح المقبول عند الله تعالى، كشف مجمع البحوث الإسلامية عن معيار دقيق يميز الأعمال التي يرجى قبولها عند الله عز وجل، مؤكدًا أن قيمة العمل لا تُقاس بكثرته أو ظهوره أمام الناس، وإنما بمدى إخلاص صاحبه وتجرده من طلب المدح والثناء.

وجاء ذلك ردًا على سؤال تلقاه المجمع حول أفضل الأعمال وأرجاها للقبول عند الله تعالى، حيث أوضح أن من أعظم علامات القبول أن يبتعد الإنسان عن رؤية نفسه وعمله، وألا ينشغل بعدّ حسناته أو استحضارها باستمرار، بل يؤدي الطاعة ابتغاء وجه الله وحده.

وأكد المجمع أن: «لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك وجوده»، في إشارة إلى أن العبد كلما نسي عمله بعد أدائه، وابتعد عن الإعجاب به، كان ذلك أقرب إلى الإخلاص وأدعى لقبوله.

الإخلاص.. السر الأعظم وراء قبول الأعمال

وأوضح مجمع البحوث الإسلامية أن الأعمال الصالحة التي يرجى قبولها هي تلك التي لا يلتفت الإنسان إليها بعد أدائها، فلا يجعلها محور حديثه ولا وسيلة للتفاخر أو طلب المكانة بين الناس.

وبيّن أن المؤمن الصادق يرى دائمًا أن ما يقدمه من طاعات قليل أمام نعم الله تعالى وفضله، ولذلك لا يستعظم عبادته ولا يظن أنه بلغ الغاية في الطاعة، بل يظل خائفًا من التقصير، راجيًا رحمة الله وقبوله.

وأشار المجمع إلى أن انشغال العبد بمراقبة عمله والإعجاب به قد يكون مدخلًا لنقص الإخلاص، لأن القلب حين يتعلق بصورة العمل أكثر من تعلقه بالله تعالى، يصبح عرضة للرياء والعجب، وهما من الآفات التي قد تحرم الإنسان بركة الطاعة وثوابها.

وأضاف أن العمل المقبول غالبًا ما يرفعه الله عز وجل ويصرف صاحبه عن الانشغال به، فيبقى القلب متعلقًا بالمنعم سبحانه لا بالنعمة، وبالمعبود لا بالعبادة نفسها.

وفي سياق الحديث عن الأعمال الصالحة، يبرز الوقت الممتد من أذان الفجر حتى شروق الشمس باعتباره من أعظم الأوقات التي يمكن للمسلم أن يستثمرها في الطاعات والقربات.

ويؤكد العلماء أن هذه الفترة المباركة تضم عددًا كبيرًا من الأعمال التي تجمع بين الذكر والدعاء والصلاة وتلاوة القرآن، وهي أعمال تمنح المسلم زادًا إيمانيًا وروحيًا مع بداية يومه.

ومن أبرز الأعمال المستحبة خلال هذه الساعات:

الترديد خلف المؤذن

يُستحب للمسلم أن يردد ألفاظ الأذان خلف المؤذن، وعند قوله: «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح» يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، امتثالًا للسنة النبوية الشريفة.

الدعاء بعد الأذان

من السنن العظيمة أن يدعو المسلم بعد الأذان ويسأل الله تعالى أن يمنح النبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود.

اغتنام وقت الإجابة بين الأذان والإقامة

يُعد الوقت الفاصل بين الأذان والإقامة من الأوقات المباركة التي يُرجى فيها قبول الدعاء، ولذلك يُستحب الإكثار من الابتهال والتضرع إلى الله تعالى خلال هذه الدقائق.

سنة الفجر

وتأتي ركعتا الفجر في مقدمة النوافل التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وردت نصوص كثيرة تبين عظيم منزلتهما وفضلهما.

أداء فريضة الفجر

تبقى صلاة الفجر في جماعة من أعظم الأعمال التي تملأ صحيفة المسلم بالحسنات وتمنحه بركة خاصة في يومه كله.

الذكر وتلاوة القرآن حتى الشروق

ويُستحب للمسلم بعد الصلاة أن يظل مشتغلًا بالأذكار وقراءة القرآن والتسبيح والاستغفار حتى طلوع الشمس، لما في ذلك من أجر عظيم وثواب كبير.

ومن أبواب الخير التي تناولها العلماء كذلك باب الصدقة، حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول».

ويشير الحديث الشريف إلى أن أفضل الصدقات هي التي يقدمها الإنسان وهو قادر ومستغنٍ، بحيث لا يوقع نفسه أو أسرته في ضيق أو حاجة، وإنما يوازن بين واجباته تجاه من يعول وبين رغبته في البذل والإنفاق.

ويؤكد العلماء أن الإسلام دين التوازن والاعتدال، فلا يطلب من المسلم أن يهمل حقوق أسرته أو يعرّض نفسه للعوز، وإنما يحثه على الإنفاق الحكيم الذي يجمع بين الكرم والمسؤولية

وفي جانب آخر من أبواب الخير، سلط الدكتور علي جمعة الضوء على منزلة الكلمة الطيبة في الإسلام، مؤكدًا أنها صورة من صور الصدقة التي يستطيع الجميع تقديمها، سواء كان غنيًا أو فقيرًا.

وأوضح أن الرحمة الحقيقية تظهر في حديث الإنسان وأسلوبه وكلماته، فالمؤمن الرحيم يحرص على نشر الخير وبث الأمل وإدخال السرور على الآخرين، ويبتعد عن الألفاظ الجارحة أو الكلمات التي تثير الفتنة والعداوة.

واستشهد بالآيات الكريمة التي شبهت الكلمة الطيبة بالشجرة المباركة ذات الجذور الراسخة والفروع الممتدة في السماء، في تصوير بليغ يوضح أثر الكلمة الحسنة في حياة الأفراد والمجتمعات.

يبين القرآن الكريم أن الكلمة الطيبة ليست مجرد لفظ يُقال، بل هي عمل ممتد الأثر، يشبه الشجرة المباركة التي تنمو باستمرار وتؤتي ثمارها في كل وقت.

فالكلمة الحسنة قد تكون سببًا في هداية إنسان، أو إصلاح علاقة، أو إزالة همّ، أو نشر علم، أو تثبيت قلب مضطرب، ولذلك يبقى أثرها ممتدًا حتى بعد أن ينساها قائلها.

وفي المقابل، حذّر القرآن الكريم من الكلمة الخبيثة التي تشبه الشجرة المقتلعة من فوق الأرض، فلا أصل لها ولا ثبات، ولا تجلب لصاحبها إلا الضرر والخسران.

كلمات قد تبني بيتًا في الجنة

وأشار الدكتور علي جمعة إلى ما ورد في السنة النبوية من أن كلمة واحدة قد تكون سببًا في رضا الله تعالى عن العبد، وقد ترفعه إلى درجات عالية في الجنة دون أن يدرك عظم أثرها.

كما أن كلمة أخرى قد تخرج من الإنسان دون تفكير أو تدبر فتكون سببًا في وقوعه في الإثم والعقوبة، مما يبرز خطورة اللسان وأهمية مراقبة ما ينطق به الإنسان.

ولهذا دعا إلى ضرورة تحري الخير في الحديث، والتفكير في عواقب الكلمات قبل إطلاقها، لأن اللسان من أعظم الجوارح أثرًا في حياة الإنسان ومصيره.

واستشهد الدكتور علي جمعة كذلك بالحديث النبوي الشريف الذي يحث المسلمين على اتقاء النار ولو بالتصدق بنصف تمرة، مبينًا أن الإسلام جعل أبواب الخير متاحة لكل الناس بحسب قدراتهم وإمكاناتهم.

فالإنسان القادر يتصدق من ماله، ومن لم يجد المال يستطيع أن يقدم كلمة طيبة أو ابتسامة صادقة أو نصيحة نافعة أو دعاءً مخلصًا، وكلها أعمال يثاب عليها العبد عند الله تعالى.

وأكد أن عظمة الشريعة الإسلامية تتجلى في أنها لم تحصر الخير في الأغنياء وأصحاب الأموال، بل فتحت أبواب الأجر والثواب أمام الجميع، ليظل طريق القرب من الله متاحًا لكل من صدقت نيته وأخلص قلبه.