يظل الحج أعظم رحلة إيمانية يعيشها المسلم في حياته، فهو الركن الخامس من أركان الإسلام، والموسم الذي تتجلى فيه معاني التوبة والتجرد والإنابة إلى الله تعالى. ومع انتهاء مناسك الحج وعودة الحجاج إلى أوطانهم، يتكرر السؤال الذي يشغل أذهان الملايين: كيف يعود الحاج من رحلته المقدسة وقد غُفرت ذنوبه وأصبح كيوم ولدته أمه؟
وفي هذا السياق، أوضح الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الوصول إلى منزلة الحج المبرور التي وعد الله أصحابها بالمغفرة ليس أمرًا يتحقق بمجرد أداء المناسك الظاهرة، وإنما يرتبط بجملة من الشروط والضوابط الشرعية والأخلاقية التي ينبغي أن يلتزم بها الحاج قبل سفره وأثناء أدائه للشعائر وبعد عودته إلى بلده.
رد المظالم وأداء الحقوق
أكد أمين الفتوى أن أول ما ينبغي على من عزم على أداء فريضة الحج أن يبدأ بتطهير نفسه من المعاصي والآثام، وأن يراجع علاقته بربه وبالناس من حوله، مشيرًا إلى أن حقوق العباد تحتل مكانة عظيمة في الشريعة الإسلامية.
وأوضح أن المسلم مطالب قبل سفره إلى الأراضي المقدسة بأداء الحقوق إلى أصحابها، ورد المظالم، وتسوية ما عليه من التزامات مالية أو معنوية، لأن حقوق الناس لا تسقط بمجرد أداء العبادات.
وبيّن أن العلماء قرروا قاعدة شرعية مهمة مفادها أن حقوق العباد مبنية على المشاحة، بينما حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد يتفضل بالعفو عن بعض ما يتعلق بحقه، أما حقوق البشر فلا بد من أدائها أو طلب المسامحة بشأنها، وإلا بقي الإنسان مسؤولًا عنها يوم القيامة.
ومن هنا، فإن الحاج الذي يذهب إلى بيت الله الحرام وهو يحمل مظالم للناس أو حقوقًا لم يؤدها، يكون مطالبًا أولًا بتصحيح هذه الأوضاع حتى تكون رحلته إلى الله قائمة على التوبة الصادقة والذمة الخالية من التعدي على الآخرين.
«كيوم ولدته أمه».. لمن تكون هذه البشارة العظيمة؟
وأشار الشيخ عويضة عثمان إلى أن الحديث عن عودة الحاج «كيوم ولدته أمه» لا ينطبق تلقائيًا على كل من عاد من الحج، وإنما يرتبط بتحقق شروط الحج المبرور الذي يجمع بين صحة المناسك وصفاء النية وحسن السلوك.
وأوضح أن هذه المنزلة العظيمة تتحقق لمن خرج إلى الحج مخلصًا لله تعالى، محتسبًا الأجر عنده سبحانه، مؤديًا ما عليه من حقوق وواجبات، متجردًا من الرياء وحب الظهور، لا يقصد مدح الناس أو ثناءهم، وإنما يبتغي وجه الله وحده.
كما شدد على أهمية التزام الحاج بالآداب الشرعية طوال رحلته الإيمانية، فيحفظ لسانه من السباب والجدال العقيم، ويخفض صوته، ويتعامل مع الآخرين بأخلاق الإسلام، مستحضرًا قوله تعالى:
«فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ».
فالحج ليس مجرد انتقال من مكان إلى مكان، وإنما مدرسة تربوية متكاملة تهدف إلى تهذيب النفس وتزكيتها وتعويدها على الصبر والانضباط والتواضع وحسن التعامل مع الآخرين.
ويجمع العلماء على أن الإخلاص يمثل الركيزة الأساسية لقبول الأعمال كافة، وعلى رأسها الحج.
فالحاج الذي يؤدي المناسك ابتغاء مرضاة الله وحده، دون بحث عن شهرة أو مكانة اجتماعية أو مباهاة بين الناس، هو الأقرب إلى تحقيق معنى الحج المبرور.
ويؤكد أهل العلم أن الأعمال لا تُقبل عند الله بكثرتها أو مشقتها فقط، وإنما بصدق النية وإخلاص القصد، ولذلك كان السلف الصالح يخشون على أنفسهم من عدم قبول أعمالهم رغم اجتهادهم فيها.
ومن هنا، فإن الحج المبرور يبدأ من القلب قبل أن يبدأ من الإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة.
من جانبها، أوضحت لجنة الفتوى التابعة لـ مجمع البحوث الإسلامية أن انتهاء مناسك الحج لا يعني انتهاء أثرها في حياة المسلم، بل إن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد العودة إلى الحياة اليومية.
وأكدت اللجنة أن الحج يمثل الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو فريضة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل قادر، مستشهدة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:
«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا».
كما استدلت بقول الله تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
وأشارت إلى أن قبول الحج تظهر علاماته في سلوك الإنسان بعد عودته، وفي مدى محافظة الحاج على الطاعات والقيم التي تعلمها خلال أيام المناسك.
تسعة أعمال تحفظ للحاج أثر حجه بعد العودة
كشفت لجنة الفتوى أن هناك مجموعة من الأعمال التي ينبغي للحاج أن يحرص على المداومة عليها بعد انتهاء موسم الحج، حتى تظل آثار هذه العبادة العظيمة حاضرة في حياته وسلوكه.
أولًا: إخلاص العمل لله تعالى
فالإخلاص لا ينتهي بانتهاء المناسك، بل ينبغي أن يستمر في جميع العبادات والأعمال، ليبقى المسلم متصلًا بربه ومستحضرًا مراقبته سبحانه.
ثانيًا: دوام الطاعة
فالنجاح الحقيقي للحاج يتمثل في استمرار علاقته بالله بعد العودة، والمحافظة على الصلاة والذكر وقراءة القرآن وسائر الطاعات.
ثالثًا: الاستمرار في العمل الصالح
فالحج المبرور يترك أثرًا واضحًا على صاحبه، فيدفعه إلى مزيد من الخير والبر والإحسان.
رابعًا: التزام التقوى
والتقوى هي الثمرة الكبرى للحج، إذ يتعلم الحاج خلالها مراقبة الله في السر والعلن، والابتعاد عن المعاصي والشبهات.
خامسًا: الاستقامة على منهج الله
فالاستقامة بعد الحج تعد من أبرز علامات القبول، إذ يثبت المسلم على طريق الطاعة ولا يعود إلى ما كان عليه من تقصير أو انحراف.
سادسًا: دوام شكر الله عز وجل
فعلى الحاج أن يستشعر نعمة الله عليه بتيسير هذه العبادة العظيمة، وأن يكثر من الحمد والشكر على ما أنعم به عليه من توفيق وهداية.
سابعًا: المداومة على الدعاء
فالدعاء صلة مستمرة بين العبد وربه، وهو من أعظم أسباب الثبات على الطاعة وحسن الخاتمة.
ثامنًا: الإكثار من الذكر
فالذكر حياة القلوب وغذاء الأرواح، ومن علامات الحج المقبول أن يظل لسان المسلم رطبًا بذكر الله تعالى.
تاسعًا: كثرة الاستغفار
فالاستغفار عبادة لا تنقطع، وهو وسيلة دائمة لتجديد التوبة ومحو التقصير وطلب العفو من الله سبحانه وتعالى.
ويؤكد العلماء أن أعظم دليل على قبول الحج ليس حمل لقب «الحاج»، ولا الاحتفاء الاجتماعي بالعودة من الأراضي المقدسة، وإنما التحول الحقيقي الذي يطرأ على شخصية الإنسان وسلوكه وأخلاقه.
فإذا عاد الحاج أكثر التزامًا بالصلاة، وأصدق في معاملاته، وأرحم بالناس، وأبعد عن الظلم والغيبة والخصومات، كان ذلك من أبرز علامات الحج المبرور.
أما إذا عاد إلى المعاصي والتقصير بعد أيام قليلة من رجوعه، فإن ذلك يستوجب مراجعة النفس وتجديد التوبة، لأن المقصود من الحج ليس أداء الشعائر فحسب، بل بناء إنسان جديد يعيش بقلب أقرب إلى الله وروح أكثر صفاءً واستقامة.