مع تزايد تساؤلات المسلمين خلال موسم عيد الأضحى المبارك بشأن أحكام الذبح والنيات المرتبطة به، حسمت دار الإفتاء المصرية الجدل الدائر حول إمكانية الجمع بين نية الأضحية والنذر في ذبيحة واحدة، كما أوضحت الحكم الشرعي للجمع بين الأضحية والعقيقة، مبينة الحالات التي يجوز فيها التشريك بين النيات والحالات التي يمتنع فيها ذلك شرعًا.

وجاءت هذه التوضيحات ردًا على استفسارات عديدة تلقّتها دار الإفتاء عبر منصاتها الرسمية، في ظل حرص كثير من المسلمين على أداء شعائرهم الدينية بصورة صحيحة تحقق مقاصد الشرع وتضمن سلامة العبادة وقبولها.


تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا من أحد المواطنين عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، جاء فيه: «عندي نذر لم أوفِ به حتى الآن، فهل يجوز أن أجمع بين نية النذر والأضحية في ذبيحة واحدة خلال أيام عيد الأضحى؟».

ويُعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة تداولًا خلال مواسم الأعياد، خاصة لدى الأشخاص الذين ترتبت عليهم نذور سابقة ويرغبون في أداء شعيرة الأضحية في الوقت نفسه، أملاً في الجمع بين العبادتين بعمل واحد.

دار الإفتاء: لا يجوز الجمع بين الأضحية والنذر

وردت دار الإفتاء المصرية بفتوى واضحة وحاسمة أكدت فيها عدم جواز الجمع بين نية النذر ونية الأضحية في ذبيحة واحدة.

وأوضحت الدار أن النذر عبادة واجبة بمجرد انعقاده على وجه صحيح، ويصبح دينًا في ذمة صاحبه يجب الوفاء به على النحو الذي التزم به أمام الله تعالى، ولذلك لا يجوز إدخال نية أخرى معه تؤدي إلى إسقاط حكمه الخاص.

وأكدت أن من قام بذبح شاة أو بقرة أو غير ذلك من الأنعام بنية الجمع بين النذر والأضحية، فإن الذبيحة تُحسب عن النذر الواجب فقط، ولا تُحتسب أضحية شرعية، لأن الواجب مقدم على التطوع، ولأن النذر التزام مستقل له أحكامه الخاصة التي لا تقبل المشاركة مع عبادة الأضحية

لماذا لا يصح الجمع بين النذر والأضحية؟

أرجعت دار الإفتاء سبب المنع إلى أن النذر يختلف في طبيعته الشرعية عن الأضحية.

فالأضحية سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء وشعيرة من شعائر الإسلام يُقصد بها التقرب إلى الله تعالى في أيام النحر، بينما النذر التزام واجب ألزم الإنسان به نفسه طواعية، وأصبح واجب الأداء بمجرد انعقاده.

ومن ثم فإن ذبيحة النذر تكون مخصصة للوفاء بما أوجبه الإنسان على نفسه، ولا يجوز أن تُستعمل لتحقيق عبادة أخرى معها، لأن المقصود منها أولًا وأخيرًا إسقاط الواجب المتعلق بالنذر.

ولهذا شددت دار الإفتاء على أن من أراد الحصول على أجر الأضحية إضافة إلى الوفاء بالنذر، فعليه أن يذبح ذبيحتين منفصلتين: واحدة للنذر، وأخرى للأضحية.

الأضحية والعقيقة.. هل يجوز الجمع بينهما؟

وفي سياق متصل، تناولت دار الإفتاء مسألة أخرى يكثر السؤال عنها، وهي إمكانية الجمع بين الأضحية والعقيقة في ذبيحة واحدة، خاصة بالنسبة للأسر التي رزقها الله بمولود جديد وتوافق موعد العقيقة مع أيام عيد الأضحى المبارك.

وفي هذا الشأن أوضح الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن هذه القضية كانت محل نقاش واجتهاد بين العلماء والفقهاء على مدار قرون طويلة، حيث اختلفت فيها المذاهب الفقهية وآراء أهل العلم.

ورغم هذا الخلاف الفقهي، أكد أن الفتوى المعمول بها داخل دار الإفتاء المصرية تجيز الجمع بين الأضحية والعقيقة في ذبيحة واحدة، تيسيرًا على الناس ورفعًا للحرج عن الأسر، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية ومتطلبات المعيشة المتزايدة.

بحسب ما أوضحه أمين الفتوى، فإنه يجوز للمسلم أن يذبح الذبيحة خلال أيام النحر أو أيام التشريق بنية العقيقة عن مولوده، وفي الوقت نفسه ينال أجر وثواب الأضحية.

ويرجع ذلك إلى أن الذبح وقع في الزمن الشرعي المحدد للأضحية، وهو الوقت الذي تتعلق به هذه الشعيرة العظيمة، وبالتالي تتحقق نية العقيقة مع حصول فضل الأضحية في الوقت ذاته.

وأشار إلى أن هذه الرخصة تأتي في إطار التيسير الذي راعته الشريعة الإسلامية، خاصة عندما تكون النيتان من قبيل التطوع والقربات التي لا تتعارض مقاصدها الشرعية.

ورغم إجازة الجمع بين الأضحية والعقيقة، أكد الشيخ أحمد وسام وجود شرط رئيسي لا بد من توافره حتى يكون الجمع صحيحًا ومعتبرًا شرعًا.

ويتمثل هذا الشرط في ألا تكون الأضحية أو العقيقة مرتبطة بنذر سابق.

فإذا كانت الأضحية قد تعينت بسبب نذر، أو كانت العقيقة نفسها منذورة، فإن حكم الجمع يسقط مباشرة، ولا يجوز حينها التشريك بين النيتين، لأن النذر يحول العبادة من دائرة التطوع إلى دائرة الوجوب، ويجعلها عبادة مستقلة لا تقبل المشاركة.

متى يمتنع تشريك النيات؟

أكدت دار الإفتاء أن دخول النذر في أي طرف من أطراف المسألة يغير الحكم الشرعي بالكامل.

فإذا كان الشخص قد نذر ذبح أضحية معينة، أو نذر عقيقة لمولوده، فإن عليه الوفاء بالنذر كما التزم به دون زيادة أو نقصان، ولا يجوز أن يجعل الذبيحة الواحدة مشتركة بين أكثر من نية.

أما إذا كانت الأضحية والعقيقة كلتاهما على سبيل التطوع وليس بينهما نذر أو التزام واجب، فإن الجمع بينهما يصبح جائزًا وفق الفتوى المعمول بها في دار الإفتاء المصرية.