في كل عام، ومع إشراقة صباح يوم عرفة، تتبدل ملامح المسجد الحرام بصورة روحانية مهيبة تختلف عن بقية أيام موسم الحج، ففي الوقت الذي تتجه فيه جموع الحجاج إلى صعيد عرفات لأداء الركن الأعظم من مناسك الحج، يبدو صحن الكعبة المشرفة أكثر هدوءًا، بينما يلفت الأنظار حضور نسائي كثيف يغلب عليه اللون الأسود، في مشهد تراثي ارتبط بذاكرة مكة المكرمة عبر عقود طويلة.
وتتحول ساحات الحرم في هذا اليوم إلى لوحة إيمانية فريدة، حيث تتوافد نساء مكة المكرمة منذ ساعات الصباح الأولى مرتديات العباءات السوداء، منشغلات بالطواف وقراءة القرآن والدعاء والذكر، في تقليد مكي قديم يُعرف باسم “مؤنسات الحرم”، وهو أحد أبرز المشاهد الإنسانية والروحانية المرتبطة بيوم عرفة.
مؤنسات الحرم
ويطلق هذا اللقب على نساء مكة المكرمة اللاتي يحرصن على التواجد داخل المسجد الحرام يوم التاسع من ذي الحجة، لإعمار البيت العتيق بالطاعة والعبادة، بينما يكون الرجال في المشاعر المقدسة بين أداء الحج وخدمة ضيوف الرحمن.
ويرجع هذا التقليد إلى عادة اجتماعية ودينية متوارثة لدى أهالي مكة، تقوم على فكرة عدم ترك الحرم خاليًا من الطائفين والذاكرين أثناء وقوف الحجيج بعرفات، لذلك تتولى النساء والأطفال وكبار السن مهمة إحياء أجواء العبادة داخل المسجد الحرام.
ومع كثافة أعداد النساء اللاتي يرتدين العباءات السوداء التقليدية، يبدو صحن الطواف وكأنه قد اكتسى بالسواد، في صورة تختلف تمامًا عن المشهد الأبيض المعتاد الذي تفرضه ملابس الإحرام خلال موسم الحج.
يوم الخليف
ويعرف أهالي مكة يوم عرفة باسم “يوم الخليف”، وهو مصطلح شعبي قديم يشير إلى اليوم الذي يخلو فيه المسجد الحرام نسبيًا من الحجاج بعد توجههم إلى جبل عرفات.
وفي هذا اليوم، يعيش الحرم أجواء أكثر هدوءًا وسكينة مقارنة بذروة الزحام المعتادة، ما يمنح سكان مكة فرصة فريدة للتفرغ للطواف والصلاة والعبادة في أجواء روحانية خاصة.
ويؤكد باحثون في التراث المكي أن هذه العادة استمرت عبر الأجيال، حيث كانت نساء مكة يعتبرن وجودهن في الحرم نوعًا من الوفاء الروحي للبيت العتيق، وحرصًا على بقائه عامرًا بالطاعة والذكر في كل الأوقات.
لماذا يسيطر اللون الأسود على صحن الطواف؟
ويثير مشهد اللون الأسود داخل الحرم يوم عرفة تساؤلات كثير من المسلمين الذين يتابعون مناسك الحج من مختلف أنحاء العالم، خاصة أن الصورة المعتادة للحرم ترتبط بملابس الإحرام البيضاء.
إلا أن السبب في ذلك يعود إلى طبيعة اللباس التقليدي لنساء مكة المكرمة، حيث ترتدي معظم النساء العباءات السوداء المحتشمة، ومع توافدهن بأعداد كبيرة إلى صحن الطواف يبدو المكان وكأنه متشح بالسواد.
ويمنح هذا المشهد المسجد الحرام هيبة خاصة، حيث تمتزج جلال المناسبة بروحانية المكان، في صورة إيمانية تتكرر مرة واحدة فقط كل عام.
ويُعد يوم عرفة من الأيام النادرة التي يشهد فيها المسجد الحرام هدوءًا نسبيًا، بعدما تتجه أفواج الحجاج إلى عرفات منذ ساعات الفجر الأولى لأداء الوقوف بعرفة، الركن الأعظم للحج.
وفي المقابل، تبدأ نساء مكة في التوافد إلى الحرم منذ الصباح، حيث يقضين ساعات طويلة في الطواف وقراءة القرآن والإكثار من الدعاء والذكر، فيما تحرص كثير من العائلات على اصطحاب الأطفال للمشاركة في هذه الأجواء الإيمانية الفريدة.
ويمتد حضور مؤنسات الحرم حتى ساعات متأخرة من الليل، بل تواصل بعض النساء العبادة حتى منتصف ليلة عيد الأضحى، في مشهد يعكس عمق العلاقة الروحية بين أهل مكة والبيت الحرام.
ولا يقتصر مفهوم مؤنسات الحرم على كونه تقليدًا اجتماعيًا متوارثًا، بل يحمل دلالات روحية كبيرة، إذ ترى نساء مكة في يوم عرفة فرصة عظيمة للتقرب إلى الله داخل أطهر بقاع الأرض، خاصة مع انشغال الحجاج بأداء المناسك في عرفات.
كما يجسد هذا التقليد حالة من الارتباط الوجداني بين سكان مكة والمسجد الحرام، حيث يشعر الأهالي بأن للحرم حقًا عليهم، وأن بقاءه عامرًا بالطائفين والذاكرين مسؤولية روحية يتوارثونها جيلًا بعد جيل.
ويصف كثير من زوار مكة هذا المشهد بأنه من أكثر مشاهد الحج تأثيرًا، لما يحمله من معاني السكينة والخشوع والتاريخ العريق.
ويحتل يوم عرفة مكانة عظيمة في الإسلام، فهو من أفضل أيام الدنيا، وفيه يقف الحجاج على جبل عرفات متضرعين إلى الله بالدعاء والاستغفار، طلبًا للمغفرة والرحمة والعتق من النار.
وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة في فضل هذا اليوم المبارك، من أشهرها ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وهو الحديث الذي رواه الإمام الترمذي، ويُعد من أعظم الأحاديث التي تبين فضل الذكر والدعاء في هذا اليوم العظيم.