مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تتزايد استعدادات المسلمين في مختلف أنحاء العالم لإحياء شعيرة الأضحية، تلك الشعيرة العظيمة التي تحمل معاني الطاعة والتقرب إلى الله تعالى، وتجسد قيم الرحمة والتكافل والإحسان.
وفي هذا الإطار، جددت دار الإفتاء المصرية تحذيراتها من بعض الممارسات الخاطئة التي تتكرر كل عام أثناء التعامل مع الأضاحي، مؤكدة أن الإسلام لم يجعل الأضحية مجرد عملية ذبح، بل عبادة قائمة على الرحمة والرفق بالحيوان وتعظيم شعائر الله.
وتأتي هذه التوجيهات ضمن حملة التوعية الإلكترونية التي أطلقتها دار الإفتاء عبر منصاتها الرسمية، بهدف تصحيح المفاهيم المرتبطة بالأضحية، وبيان الأحكام الشرعية والآداب الإسلامية التي ينبغي مراعاتها خلال موسم عيد الأضحى.
وأكدت دار الإفتاء، في منشور رسمي عبر صفحتها على موقع «فيس بوك»، ضرورة تجنب نحر الأضحية أمام الحيوانات الأخرى، لما يسببه ذلك من خوف واضطراب شديد للحيوان.
وأوضحت الدار أن الشريعة الإسلامية أرست قواعد واضحة للرفق بالحيوان حتى في لحظات الذبح، مشيرة إلى أن تعمد إخافة الأضحية أو تعذيبها يتعارض مع القيم الإنسانية والتعاليم الشرعية التي دعا إليها الإسلام.
وأضافت أن من صور الرحمة التي ينبغي الالتزام بها أثناء الذبح، إبعاد الحيوانات الأخرى عن مشهد النحر، وعدم استخدام وسائل عنيفة أو قاسية في السيطرة على الأضحية أو التعامل معها قبل الذبح.
وشددت دار الإفتاء على أنه لا يجوز شرعًا تعذيب الذبيحة أو المبالغة في إيلامها بحجة التمكن من ذبحها، مؤكدة أن الإسلام سبق المواثيق والقوانين الحديثة في الدعوة إلى الرفق بالحيوان واحترام حقه في المعاملة الرحيمة.
وبيّنت أن النبي محمد ﷺ أوصى بالإحسان في الذبح، وأمر بإراحة الذبيحة وعدم تعذيبها أو إرهاقها، حتى في اللحظات الأخيرة قبل النحر.
وأكدت المؤسسات الدينية أن المقصد الحقيقي من الأضحية لا يقتصر على الذبح فقط، وإنما يتمثل في تحقيق معاني الطاعة والامتثال لأوامر الله تعالى، مع الالتزام بالأخلاق الإسلامية التي تحفظ للحيوان حقه في الرحمة وعدم التعذيب.
الأضحية عبادة تحمل معاني الإيمان والطاعة
وأوضحت دار الإفتاء أن الأضحية سنة مؤكدة عن النبي ﷺ، وينبغي للمسلم أن يحرص على أدائها بالطريقة التي ترضي الله تعالى وتوافق هدي النبي الكريم.
وأضافت أن شعيرة الأضحية تُذكّر المسلمين بقصة نبي الله إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام، وما تحمله من معاني التضحية والإيمان والتسليم الكامل لأمر الله سبحانه وتعالى.
وأكدت الدار أن المسلم مطالب بأن يجعل أضحيته عبادة خالصة لله، بعيدة عن المظاهر الخاطئة أو التصرفات التي تتنافى مع روح الإسلام وآدابه.
أخطاء شائعة تتكرر خلال موسم الأضاحي
ومع حلول موسم عيد الأضحى، تتكرر بعض التصرفات التي يرفضها الشرع، مثل جر الحيوانات بعنف، أو استخدام أدوات غير مناسبة أثناء الذبح، أو ترك الأضحية تشاهد عملية نحر غيرها، وهو ما يؤدي إلى إثارة الخوف والذعر داخل الحيوان.
ويؤكد علماء الشريعة أن هذه الممارسات تخالف مقاصد الإسلام في الرحمة والإحسان، خاصة أن النبي ﷺ أوصى بحدّ الشفرة وإراحة الذبيحة وعدم تعذيبها.
كما شدد المختصون على ضرورة الاستعانة بأشخاص لديهم خبرة في التعامل مع الأضاحي، تجنبًا لإيذاء الحيوان أو التسبب في معاناته نتيجة سوء التعامل أو ضعف الخبرة.
وفي سياق متصل بالأحكام الشرعية المرتبطة بالأضاحي، ورد سؤال إلى عطية لاشين من أحد المواطنين حول حكم نفوق الأضحية عند البائع قبل ذبحها، بعد الاتفاق على شرائها ودفع جزء من ثمنها.
وأوضح السائل أنه اتفق مع أحد التجار على شراء أضحية، ودفع جزءًا من ثمنها، على أن يتم دفع باقي المبلغ بعد معرفة وزنها وقت الذبح، إلا أن الأضحية نفقت عند البائع موتًا طبيعيًا قبل إتمام عملية الذبح، متسائلًا: من يتحمل الخسارة في هذه الحالة؟
وردّ الدكتور عطية لاشين موضحًا أن مسألة الضمان في الشريعة الإسلامية تقوم على قاعدة واضحة، وهي أن من أتلف شيئًا مملوكًا لغيره أو تسبب في ضياعه فعليه ضمانه وتحمل قيمته أو رد مثله إذا كان من الأشياء المثلية.
وأشار إلى أن بعض الناس يعتقدون خطأ أن المطالبة بالتعويض أو أخذ العوض أمر غير جائز شرعًا، مؤكدًا أن هذا الفهم يتعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية التي تحفظ الحقوق وتصون أموال الناس من الضياع.
واستشهد بما جاء في القرآن الكريم:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾.
كما استدل بالحديث النبوي الشريف الذي ورد فيه أن إحدى أمهات المؤمنين كسرت إناءً لزوجة أخرى للنبي ﷺ، فقال النبي الكريم: «إناء بإناء وطعام بطعام»، وهو ما يؤكد مبدأ الضمان ورد الحقوق إلى أصحابها.
هل يحق للمشتري المطالبة بالتعويض؟
وأوضح عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف أن صاحب المال أو الشيء المتلف يملك شرعًا حق المطالبة بالتعويض أو رد القيمة إذا تعرض ماله للتلف أو الإهلاك.
وأضاف أن مطالبة الإنسان بحقه المالي ليست حرامًا كما يظن البعض، بل هي حق مشروع كفله الشرع حتى لا تضيع حقوق الناس أو تنتشر الفوضى في المعاملات المالية.
وأشار إلى أن المتضرر يظل مخيرًا بين العفو والتسامح، أو المطالبة بحقه وفق الضوابط الشرعية، مؤكدًا أن أخذ التعويض لا إثم فيه ولا حرج طالما كان قائمًا على العدل والحق.