مع طلوع شمس الغد، يدخل حجاج بيت الله الحرام واحدة من أهم المحطات الإيمانية في رحلة الحج، حيث يوافق الثامن من شهر ذي الحجة، المعروف في التراث الإسلامي بـ«يوم التروية»، وهو اليوم الذي تبدأ فيه أفواج الحجيج التحرك الفعلي نحو المشاعر المقدسة، استعدادًا للوقوف بعرفة، الركن الأعظم من أركان الحج.
ويحمل هذا اليوم مكانة عظيمة في وجدان المسلمين، لما يتضمنه من معانٍ روحانية عميقة، ومشاهد إيمانية مهيبة، وسنن نبوية ارتبطت ببداية أعظم رحلة إيمانية يعيشها المسلم في حياته، بينما تتزايد تساؤلات الحجاج سنويًا حول سبب تسمية هذا اليوم، والأعمال التي تُسن فيه، وحكم المبيت بمنى، ومدى جواز التوجه مباشرة إلى عرفات دون المرور بمنى.
يُعد يوم التروية أول أيام الحج العملية بالنسبة للحجاج المتمتعين، وفيه تبدأ القلوب في التهيؤ لأعظم مشهد في الحج، وهو الوقوف بعرفة، حيث تتوافد الملايين إلى الأراضي المقدسة في صورة إيمانية مهيبة تجسد وحدة المسلمين من مختلف الجنسيات والأعراق واللغات.
وفي هذا اليوم، يتحرك الحجاج إلى مشعر منى اقتداءً بسنة النبي محمد ﷺ، حيث يقضون يومهم وليلتهم في أجواء عامرة بالتلبية والذكر والصلاة، استعدادًا للتوجه إلى صعيد عرفات مع فجر اليوم التالي.
لماذا سُمّي يوم التروية بهذا الاسم؟
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن العلماء ذكروا أكثر من تفسير لتسمية الثامن من ذي الحجة بـ«يوم التروية».
التزود بالماء استعدادًا للمشاعر المقدسة
التفسير الأشهر يعود إلى أن الحجاج في العصور القديمة كانوا يحرصون في هذا اليوم على حمل المياه والتزود بها، بسبب قلة مصادر المياه في المشاعر المقدسة، خاصة في عرفات ومنى.
وكان الحجاج يرتوون بالماء ويحملونه معهم في الروايا والقرب استعدادًا لأيام الحج التالية، ولذلك سُمي يوم التروية.
واستشهدت دار الإفتاء بما ذكره العلامة البابرتي في كتابه «العناية شرح الهداية»، حيث أوضح أن الناس كانوا يروون أنفسهم بالماء ويحملونه إلى عرفات ومنى لمواجهة مشقة الطريق وحرارة الصحراء.
أما التفسير الثاني، فيرتبط بقصة نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام تنفيذًا لأمر الله تعالى.
فقد ظل إبراهيم عليه السلام يتفكر ويتروّى في هذه الرؤيا طوال اليوم: هل هي وحي من الله أم مجرد حلم؟ ومن هنا جاءت تسمية «يوم التروية»، أي يوم التفكر والتأمل والتثبت.
أربعة أعمال رئيسية يؤديها الحجاج
ويشهد يوم التروية عددًا من الأعمال والمناسك المهمة التي يؤديها الحجاج اقتداءً بالنبي ﷺ، وتُعد بمثابة تمهيد روحي وعملي للوقوف بعرفة.
أولًا: الإحرام بالحج للمتمتع
الحاج المتمتع الذي أدى العمرة وتحلل منها يبدأ في يوم التروية بالإحرام بالحج من مكان إقامته سواء كان في مكة أو الفندق الذي ينزل فيه، دون الحاجة إلى الذهاب للمسجد الحرام.
ويُسن للحاج أن يغتسل ويتطيب ويرتدي ملابس الإحرام ثم يرفع صوته بالتلبية قائلاً: «لبيك اللهم حجًا».
أما الحاج المفرد والقارن فيبقيان على إحرامهما السابق دون تجديد.
ثانيًا: التوجه إلى مشعر منى
بعد الإحرام، يتوجه الحجاج إلى مشعر منى، وهو وادٍ تحيط به الجبال يقع شمال شرق مكة المكرمة بنحو سبعة كيلومترات.
وتتحول منى خلال موسم الحج إلى مدينة إيمانية ضخمة تستوعب ملايين الحجاج الذين يقضون فيها يوم التروية وليلة عرفة، وسط أجواء يسودها الذكر والتلبية والطاعة.
ثالثًا: أداء الصلوات الخمس بمنى
ومن أبرز سنن يوم التروية أن يؤدي الحجاج في منى خمس صلوات متتابعة، وهي:
صلاة الظهر
صلاة العصر
صلاة المغرب
صلاة العشاء
صلاة فجر يوم عرفة
ويُسن قصر الصلوات الرباعية دون جمع، بحيث تُصلى كل صلاة في وقتها، اقتداءً بهدي النبي ﷺ.
رابعًا: الإكثار من الذكر والتلبية والدعاء
ويحرص الحجاج خلال وجودهم في منى على الإكثار من التلبية وذكر الله تعالى والدعاء، في مشهد روحاني يفيض بالخضوع والخشوع.
ويُعد يوم التروية فرصة عظيمة لتهيئة النفس والقلب قبل الوقوف بعرفة، اليوم الذي تتنزل فيه الرحمات وتُغفر فيه الذنوب وتُعتق الرقاب من النار.
ويظل السؤال الأكثر تداولًا بين الحجاج كل عام: هل يجب الذهاب إلى منى يوم التروية؟ وهل يؤثر ترك المبيت فيها على صحة الحج؟
وفي هذا السياق، أكد عدد من العلماء أن المبيت بمنى ليلة التاسع من ذي الحجة سنة مؤكدة وليس واجبًا من واجبات الحج.
وأوضح علي جمعة أن النبي ﷺ ذهب إلى منى وصلى فيها وبات بها اقتداءً بالسنة، لكن ذلك ليس فرضًا ملزمًا للحجاج.
وأشار إلى أن من توجه إلى عرفات مباشرة بسبب الزحام أو المشقة أو ظروف التنظيم فلا شيء عليه، وحجه صحيح، لأنه ترك سنة وليس واجبًا.
دار الإفتاء: الذهاب المباشر إلى عرفات جائز شرعًا
وأكد الشيخ عويضة عثمان أن كثيرًا من الحملات الرسمية تتجه بالفعل إلى عرفات مباشرة دون المرور بمنى، خاصة مع الأعداد الضخمة للحجاج والرغبة في تجنب التكدس.
وأوضح أن المبيت بمنى مستحب وليس فرضًا، ومن تركه فلا فدية عليه ولا إثم ولا يؤثر ذلك على صحة حجه.
وأضاف أن الحاج بعد انتهائه من العمرة وتحلله منها يمكنه أن يُحرم بالحج من مكان إقامته، ثم يتوجه إلى منى أو إلى عرفات مباشرة وفق ظروف حملته وتنظيم البعثة.
حكم تكرار العمرة قبل الحج
كما تناولت الفتاوى المتعلقة بيوم التروية مسألة تكرار العمرة قبل الحج، حيث أوضح الشيخ عويضة عثمان أن من أراد أداء عمرة جديدة بعد عمرته الأولى يمكنه الخروج إلى مسجد التنعيم للإحرام منها.
وأشار إلى أن هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، فبعضهم أجاز تكرار العمرة أكثر من مرة، بينما رأى آخرون أن الإكثار منها في وقت قصير غير مستحب.
ج
وبيّنت دار الإفتاء أن الحاج المتمتع يجب عليه هدي التمتع، استنادًا إلى قول الله تعالى:
﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
فالحاج الذي يؤدي العمرة ثم يتحلل منها حتى يحرم بالحج يوم التروية، يجب عليه تقديم الهدي، ويجوز ذبحه في أيام النحر أو بعد أيام التشريق.
أما من لم يستطع توفير الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام أثناء الحج وسبعة أيام بعد عودته إلى بلده.
تحذير من التشدد والمغالاة في مناسك الحج
من جانبه، حذر عباس شومان من بعض المتشددين الذين يحولون السنن والمستحبات إلى واجبات، بما يسبب المشقة والارتباك للحجاج.
وأكد أن الذهاب إلى منى يوم التروية سنة عن النبي ﷺ وليس فرضًا، موضحًا أن كثيرًا من بعثات الحج الرسمية تتجه مباشرة إلى عرفات تيسيرًا على كبار السن والمرضى والحجاج الذين قد يتعرضون للمشقة.
ووجه رسالة إلى الحجاج بعدم الالتفات إلى دعوات التشدد، مؤكدًا أن من ذهب إلى منى فقد أصاب السنة، ومن توجه إلى عرفات مباشرة فلا حرج عليه وحجه صحيح بإذن الله.