في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على مستوى الصراعات الدولية وأدوات النفوذ الحديثة، يبرز الكاتب والباحث السوداني محمد مكي الطاهر كأحد الأصوات البحثية التي تسعى إلى تقديم قراءة جديدة للحروب المعاصرة، عبر مشروع فكري وأكاديمي متكامل يتناول طبيعة النزاعات الحديثة وتحولاتها السياسية والعسكرية والإعلامية والتكنولوجية.

وأطلق محمد مكي الطاهر سلسلة فكرية بعنوان "فهم عالم الحروب المعاصرة"، تضم أربعة كتب مترابطة، تبدأ بالتأسيس النظري لمفهوم "الحروب الدولية الجديدة"، ثم تنتقل إلى تحليل تطبيقاته على النزاعات الراهنة، وصولاً إلى دراسة ظواهر الشركات العسكرية الخاصة وحروب التضليل الإعلامي والسيطرة على الوعي الجمعي.

الحروب الهجينة

وتحاول السلسلة، التي صدرت مؤخرًا ضمن مشروع بحثي متخصص في قضايا الأمن الدولي وتحولات الصراع، تقديم أدوات تحليلية حديثة تتجاوز النظريات التقليدية، من خلال الربط بين الحروب الهجينة، واقتصاديات العنف، والتأثير الرقمي، ودور الفاعلين غير الحكوميين في إعادة تشكيل المشهد الدولي.

وفي تصريحات خاصة لـ«اليوم»، أوضح الباحث السوداني أن المشروع جاء استجابة لحاجة ملحة إلى تطوير مقاربات جديدة لفهم النزاعات المعاصرة، مؤكدًا أن الحروب لم تعد تُدار فقط عبر الجيوش النظامية، بل أصبحت تعتمد على شبكات معقدة من المصالح والأدوات الإعلامية والاقتصادية والتكنولوجية العابرة للحدود.

كما أكد الكاتب أن مشروعه الفكري حول “الحروب الدولية الجديدة” جاء استجابة للتحولات العميقة التي يشهدها العالم، مشيرًا إلى أن الصراعات المعاصرة لم تعد تشبه الحروب التقليدية التي عرفها القرن الماضي، بل أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا على المستويات السياسية والاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية.

بوابة إلى الحروب الجديدة

بوابة إلى الحروب الدولية الجديدة

في السياق ذاته، قال الطاهر إن سلسلة “فهم عالم الحروب المعاصرة” التي تضم أربعة كتب، تهدف إلى تقديم إطار تحليلي جديد يساعد الباحثين وصناع القرار على فهم طبيعة النزاعات الحديثة، موضحًا أن الفكرة انطلقت من ملاحظة وجود فجوة واضحة بين النظريات الكلاسيكية للعلوم السياسية والواقع الفعلي للحروب الجارية حاليًا.

وأضاف أن كتابه الأول "بوابة إلى الحروب الدولية الجديدة" يمثل المدخل التأسيسي للسلسلة، حيث حاول من خلاله وضع الأسس النظرية لما أسماه "نظرية الحروب الدولية الجديدة"، موضحًا أن الدولة الوطنية لم تعد الفاعل الوحيد في الصراع، بعدما صعدت أدوار الجماعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود والفاعلين غير الحكوميين.

وأشار محمد مكي الطاهر إلى أن الحروب الحديثة باتت تعتمد بصورة متزايدة على الحروب بالوكالة والأدوات السيبرانية والاقتصادية والإعلامية، لافتًا إلى أن بعض الدول تحولت إلى “ساحات مفتوحة” لتصفية الصراعات الدولية والإقليمية دون مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى.

فوق الركام

فوق الركام

وحول كتابه الثاني “فوق الركام”، أوضح الطاهر أنه انتقل فيه من مرحلة التأسيس النظري إلى اختبار النظرية عمليًا على عدد من أبرز الصراعات الدولية، بينها السودان وسوريا وليبيا واليمن وأوكرانيا، مبينًا أن الهدف كان قياس قدرة النظرية على تفسير أسباب اندلاع تلك الحروب وآليات استمرارها.

وقال إن ما يميز الحروب الراهنة هو تداخل العوامل الداخلية بالخارجية بصورة غير مسبوقة، مضيفًا أن اقتصاديات الحرب والتمويل العابر للحدود باتت عنصرًا أساسيًا في إطالة أمد النزاعات وتحويلها إلى بيئات دائمة للفوضى وعدم الاستقرار.

مرتزقة العصر الحديث

مرتزقة العصر الحديث 

في حديثه عن كتاب “مرتزقة العصر الحديث”، أكد الطاهر أن ظاهرة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة أصبحت من أخطر التحولات في النظام الدولي، موضحًا أن هذه الشركات لم تعد مجرد أدوات أمنية، بل تحولت إلى لاعبين مؤثرين في إدارة الحروب وحماية المصالح الاقتصادية والسياسية للدول والقوى الكبرى.

وأضاف أن الكتاب يتناول بالتفصيل صعود “مجموعة فاغنر” الروسية كنموذج لتحول الشركات الأمنية إلى أدوات نفوذ جيوسياسي، مشيرًا إلى أن “خصخصة الحرب” تمثل تحديًا مباشرًا لفكرة السيادة التقليدية واحتكار الدولة لاستخدام القوة.

الحرب على العقول

الحرب على العقول

وفيما يتعلق بكتابه الرابع “الحرب على العقول”، شدد الطاهر على أن أخطر معارك العصر الحالي تُدار داخل الفضاء الرقمي وعبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن التضليل الإعلامي وصناعة السرديات الزائفة أصبحا جزءًا رئيسيًا من استراتيجيات الصراع الحديثة.

وأوضح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي و”التزييف العميق” تُستخدم بشكل متزايد للتأثير على الرأي العام وتوجيه إدراك الشعوب للأحداث، لافتًا إلى أن السيطرة على الوعي الجمعي باتت توازي في أهميتها السيطرة على الأرض والموارد.

وأكد محمد مكي الطاهر أن السلسلة لا تستهدف فقط تحليل الحروب، بل تسعى أيضًا إلى المساهمة في بناء وعي نقدي يساعد المجتمعات على مواجهة التحديات الجديدة المرتبطة بفوضى المعلومات وتصاعد أدوات التأثير غير التقليدية، معتبرًا أن فهم طبيعة هذه التحولات يمثل الخطوة الأولى نحو بناء سلام أكثر استدامة في العالم المعاصر.