قطاع التمريض بغزة.. ملف دامٍ ننشر الحلقة الثالثة منه، حول شهداءه الذين قتلهم الاحتلال بشكل جماعي مع أهليهم فلم يبق منهم إلا من أبعدهم القدر عن المنزل المستهدف، تاركا الفقد والرعب والتهديد ندوبا غائرة على أرواحهم، لم تشفها إعلانات السلام في غزة ومجالسها.

فاطمة ومهدي

IMG-20260519-WA0002
فاطمة أحمد شلوف 

القابلة “فاطمة أحمد شلوف”- 30 عامًا- كانت تعمل مشرفة بالمستشفى الإماراتي ومستشفى التحرير، استشهدت في 30 نوفمبر 2023 مع شقيقها “مهدي”- فني التخدير والإنعاش- وباقي أفراد عائلتها وعائلة خالها، في استهداف لمنزلهم.

تقول شقيقتها “ماجدة شلوف”- مشرفة تمريض بمستشفى التحرير- في حوار خاص لموقع اليوم: "كانت أختي فاطمة تعمل قابلة قانونية، قبل أن يتم ترقيتها إلى مشرفة تمريض فى مستشفى الهلال الإماراتى للنساء والولادة؛ 

حصلت على درجة الماجستير فى صحة المرأة والطفل، وكانت تدرس الدكتوراة، وبينما دنت من إنهاء الرسالة والمناقشة، نفذ قضاء الله وأمره فلم تحصل على الدرجة بسبب استشهادها". 

لماذا التمريض؟

على الرغم من تكرار الحديث، يبقى سؤال: لماذا استهداف التمريض؟ وهل هو استهداف متعمد؟ عالقًا ينتظر الإجابة؛ وهو ما أجابت عليه “ماجدة” بشكل مباشر: "نعم يتم استهداف التمريض بشكل مباشر، حيث يتهم الاحتلال جميع الطواقم الطبية بأنهم إرهابيون؛

بل وقتلوا الكثير من الأطباء والزملاء التمريض وأسروا آخرين وهم على رأس عملهم، لا لشيء سوى أننا نقوم بإنقاذ حياة المرضى والجرحى، فيما لا يريد العدو ذلك". 

استهداف شقيقا هيئة التمريض

تتابع ماجدة رواية قصة استشهاد أشقائها، قائلة: "شاء القدر أن يتغير موعد نوبتجية فاطمة في المستشفى ليصبح يوم الإثنين 2 ديسمبر 2023، فكانت أجازة يوم السبت 30 نوفمبر، ولكونها غير متزوجة تعيش في منزل العائلة، الكائن في حي الجنينة في رفح مقابل مستشفى أبو يوسف النجار، وبالتالي تواجدت فيه وقت القصف؛ 

وفي الرابعة من فجر ذلك اليوم، استهدف المنزل المكون من أربعة طوابق ببرميل متفجرات، ما أدى لاستشهاد كل أفراد عائلتي: “فاطمة” وأمي وأبي، وإخوتي الشباب الثلاثة “مهدي ومجدي ومنير”، وزوجاتهم “ندى وحنان”، وأطفالهم السبعة “أميرة وجورى وأحمد ومحمد  وزكريا ومالك وفيروز”.

وفي المنزل المجاور لنا، كان يعيش أبناء خالي، الذين استشهد ثلاثتهم “محمود وجمال وفايد” في نفس الاستهداف"، وهكذا استشهدت عائلة كاملة بينها اثنين من هيئة التمريض فى نفس اليوم واللحظة.

وبسؤال الشقيقة المكلومة على المتبقى من عائلتها بعد الحرب، أجابت بألم: “لم يتبقى سوى أنا وشقيقاتي الخمس، لأننا متزوجات فلا نعيش في منزل العائلة”.

سؤال بعد الصدمة

“ماجدة”.. فجعت بفقد عائلتها في الشهور الأولى للحرب، وشاهدت بعينها أهوالها بينما تقف على رأس عملها، باعتبارها مشرفة تمريض في قسم الأطفال، في مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبي بخانيونس، بعد أن كانت تعمل في مستشفى أبو يوسف النجار القريب من المنزل المنكوب لعائلتها، ثم تم استهداف بيتها لتنتقل للحياة في خيمة نزوح، فتعيش أهوالا جديد بؤرتها الخشية من أن تلحق أسرتها الصغيرة بباقي عائلتها.

ومن هنا، تركت تلك الأهوال بصمتها على روحها فأضحت تخشى كل شيء تستشعر فيه تهديدا لأمانها، حتى وإن كان مجرد سؤال ضمن حوار صحفي لصياغة قصة إنسانية، فما إن غصنا معها في الأسئلة حول أحوالها بعد الحرب وموطن سكنها بعد تدمير بيتها، حتى ضرب الخوف أوصالها من أن يكون محدثها عدوا يبغي أذيتها.

فراحت تقول في وجل: “لماذا تسألى عن أشياء تخصني، فيما ترغبين في كتابة موضوع عن أختي الشهيدة فاطمة..؟! بصراحة بدأت أخاف من الأسئلة، ثم كيف وصلتي لرقم هاتفي وتمكنت من التواصل معي”.

وعلى الرغم من طمأنتي لها وشرح أبعاد العمل على ملف طواقم التمريض، وأنواع الظلم التي يلقونها، لا أعلم حقيقة إن كانت قد اطمأنت للحديث أم أنها مازالت على تخوفاتها، حيث آثرت إغلاق الحديث مؤقتا عند هذا الحد حتى يواجهنا ما يجبرنا على فتحه.