ملف ضحايا التمريض في غزة لم يقف عند أولئك الشهداء أو الشهود، فللصورة وجه آخر قد تحجبه مآسي الشهداء، هو وجه المصابين والمنكوبين من الحرب، في هذه الحلقة من الملف، نعرض قصص رواها أصحابها في رسائل خاصة لموقع اليوم، عن ندوب وجراح تركتها الحرب على اثنتين من مقدمات الرعاية الطبية، تركتها على أرواحهم قبل أجسادهم.
"صابرين" تنادي من يداويها
في رسالة خاصة لموقع اليوم، راحت الممرضة "صابرين عمر أبو شحادة"، تروي قصتها فقالت: "كنت أعمل سابقا في مستشفى الشفاء مسؤولة بقسم القلب، وعملت في الحرب مع أطباء بلا حدود، في قسم (IPD3) بمستشفى مجمع ناصر، ثم انتقلت إلى قسم جراحة النساء، حتى تعرضت للإصابة".
وتابعت متحدثة عن ظروف تعرضها للإصابة وفقدان أبنائها، فقالت: "استهدفت خيمتي في قصف، في العاشرة من مساء يوم 20 يوليو 2025، ما أدى لإصابتي بجراح خطيرة، وإصابة ابنتي بجراح متوسطة، واستشهدت ابنتي لانا بعمر 10 سنوات، وابني عبد الكريم بعمر 11 عامًا، واحترقت الخيمة بالكامل وكل ما بداخلها".
ثم انتقلت للحديث عن حالتها الصحية، حيث تحتاج إلى تدخل جراحي دقيق لإنقاذها من أثر الإصابة، فقالت: "أنا الآن طريحة الفراش أعاني من صعوبة الحركة بصفة عامة، وليس لدي القدرة على تحريك قدمي اليمنى، كما أعاني من سقوط قدم، حيث أحتاج إلى تدخل أطباء متخصصين، لإجراء عملية جراحية عاجلة بالأعصاب الطرفية؛
وبسبب الإصابة في بطني، تم إزالة جزء كبير من المعدة والكبد والأمعاء والطحال، وعليه لا أستطيع أكل إلا القليل من الأشياء؛ وبسبب فقداني لأولادي تدهورت حالتي النفسية، لذا أخضع حاليا للعلاج النفسي مع دكتورة ريهام من اكتئاب حاد، ومستمرة بالعلاج والجلسات النفسية".
وفي ختام رسالتها، تحدثت الممرضة الثكلى عن أضرار أخرى طالتها لتشمل عملها وسكنها، فجعلت منها مأساة مركبة، فقالت: "بسبب وضعي الصحي فقدت حقي في العمل، وفقدت وظيفتي التي كانت باب رزقي، والآن لا يوجد لي مكان يؤويني، حيث أقطن غرفة بالمستشفى بسبب عدم توفر مكان لي".
جراح روح “أسماء”
تحكي الممرضة "أسماء زياد عبد العزيز فياض"- في رسالة خاصة لموقع اليوم- عن روحها التي قتلت في قصف للاحتلال، فقالت: "كنت أم لأربعة أطفال- بنتين وولدين- كانوا يملأون حياتي، أكبرهم 12 سنة ثم 10 سنوات و6 أعوام وأصغرهم 5 سنوات، وكنت أرسم لهم مستقبل باهر، ولكن قضاء الله غالب؛
في 12 يناير 2024، قصفوا بيتي وفقدت أغلى ما أملك- أمي وأولادي الأربعة- المستقبل والحياة والأمل، فقد فقدت أمي التي هي كل حياتي وسندي في الحياة، إذ كانت لي الأم والصديقة والرفيقة والأخت".
وأضافت: "ترك ذلك الحدث الذي مر بي أثر على حياتي بالسلب، حيث فقدت تركيزي وشغفي وحتى قدرتي على التفاعل مع الناس؛ وأفقدني ضعف تركيزي الرغبة في العمل في الأقسام والتعامل مع المرضى، وبالمثل فعلت عصبيتي الزائدة وعدم التحكم في أعصابي في تعاملي مع الآخرين، وحتى فقدت الرغبة في التخطيط للمستقبل؛ وذلك بالإضافة إلى الوضع الصحي الذي فعله القصف بي، حيث فقدت حاسة السمع، ما أثر على تواصلي مع الآخرين، حتى أقرب الناس إليَّ".
هنا انتهت رسائلهم، لكن مآسيهم لم تنته، فما زال الملف يحمل الكثير من القصص الحزينة، والتفاصيل المروعة لاستهداف مسؤولي الرعاية الطبية، ومع سعي الاحتلال لإسكات أصوات الشهود، وشل قدرتهم على إكمال رسالتهم، أضاف صفحات جديدة لكتاب جرائمه نعرضها في الجزء المتبقى من الملف.