مع بداية العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، تتغير الأجواء الإيمانية في بيوت المسلمين ومساجدهم، حيث يعيش الملايين حول العالم حالة روحانية خاصة تعد من أعظم مواسم الطاعة والعبادة في الإسلام، لما تحمله هذه الأيام من نفحات ربانية عظيمة وأجور مضاعفة وفرص واسعة للتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

وتتميز هذه الأيام المباركة بأنها تجمع أعظم العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه، ففيها الصيام والصلاة وقيام الليل والصدقات وذكر الله وقراءة القرآن والحج والأضاحي، وهو ما جعلها تحتل منزلة استثنائية بين أيام العام كله.

ويحرص المسلمون خلال هذه الأيام على الإكثار من الأعمال الصالحة، أملاً في نيل الرحمة والمغفرة والعتق من النار، خاصة بعدما ورد في فضلها من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد عظمة هذه الأيام ومكانتها الرفيعة عند الله عز وجل.

وأكد الدكتور علي جمعة أن العشر الأوائل من ذي الحجة تُعد من أفضل أيام الدنيا وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، موضحًا أن الأعمال الصالحة فيها تتضاعف بصورة كبيرة، وأن فضل العبادة خلالها يفوق كثيرًا من مواسم الطاعات الأخرى.

وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم حث المسلمين على اغتنام هذه الأيام بالإكثار من الطاعات، مستشهدًا بالحديث الشريف:
«ما من أيام الدنيا أيام أحب إلى الله سبحانه وتعالى أن يتعبد له فيها من أيام العشر، وإن صيام يوم فيها ليعدل صيام سنة، وليلة فيها بليلة القدر».

وأوضح أن هذا الحديث يعكس حجم الكرم الإلهي الذي يمنحه الله لعباده خلال هذه الأيام المباركة، حيث يصبح العمل القليل سببًا في نيل ثواب عظيم وأجر مضاعف.

يرى علماء الشريعة أن السر في عظمة العشر الأوائل من ذي الحجة يعود إلى اجتماع أمهات العبادات فيها، وهو أمر لا يتحقق في غيرها من أيام العام، إذ يجتمع فيها الصيام والصلاة والحج والصدقة والذكر وقراءة القرآن.

وأكد الدكتور مجدي عاشور أن من أعظم ما يبرز مكانة هذه الأيام أن الله سبحانه وتعالى أقسم بها في القرآن الكريم في قوله تعالى:
«وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ».

وأوضح أن القسم في القرآن لا يكون إلا بشيء عظيم القدر، وهو ما يدل على رفعة شأن العشر الأوائل من ذي الحجة وعظيم مكانتها عند الله عز وجل.

وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد فضل هذه الأيام بقوله:
«ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من العشر الأول من ذي الحجة».

وأشار إلى أن الصحابة رضوان الله عليهم اندهشوا من عظم هذا الفضل حتى سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا الجهاد في سبيل الله؟»، فكان الرد النبوي مؤكدًا ضخامة الأجر: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء منهما».

وأوضح عاشور أن هذا الحديث يبين أن العبادة والعمل الصالح في هذه الأيام يبلغان منزلة عظيمة قد تعادل أجر المجاهد الذي بذل نفسه وماله في سبيل الله حتى استشهد.

ويأتي الصيام على رأس الأعمال التي يحرص المسلمون على أدائها خلال هذه الأيام المباركة، لما له من فضل كبير وثواب عظيم.

وأكد الدكتور علي جمعة أن صيام يوم واحد من أيام العشر الأوائل يعادل صيام سنة كاملة، وهو ما يجعل هذه الأيام فرصة ذهبية لكل من يبحث عن مضاعفة الحسنات ورفع الدرجات.

وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على صيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة، بينما كان يفطر يوم عيد الأضحى وأيام التشريق، لأن الشريعة الإسلامية نهت عن صيامها.

وأشار إلى أن تسمية هذه الأيام بـ«العشر» رغم أن الصيام يكون في تسعة أيام فقط، يعود إلى أن يوم النحر «عيد الأضحى» يدخل ضمن فضل هذه الأيام، لما يشهده من ذكر لله تعالى وذبح الأضاحي وإحياء شعائر الإسلام.

ومن الأسئلة التي تتكرر كل عام مع دخول شهر ذي الحجة، ما إذا كان المسلم مطالبًا بصيام الأيام التسعة كاملة أم يجوز له صيام بعضها فقط.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور محمد الشحات الجندي أن صيام العشر الأوائل من ذي الحجة سنة مؤكدة وليس فرضًا، وبالتالي فإن المسلم يثاب على ما يصومه منها ولا يأثم إذا ترك الصيام.

وأكد أن الإسلام دين رحمة ويسر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف الإنسان فوق طاقته، ولذلك يجوز للمسلم أن يصوم ما يستطيع من هذه الأيام وفق ظروفه وقدرته الصحية والجسدية.

وشدد على أن يوم عيد الأضحى يحرم صيامه شرعًا، لأنه يوم فرح ونسك وإظهار لشعائر الله تعالى، كما أن أيام التشريق من الأيام التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامها.

ولا يقتصر فضل هذه الأيام على الصيام وحده، بل تشمل فضائلها كل أبواب الخير والطاعة، من التكبير والتهليل والتسبيح وقراءة القرآن والصدقات وصلة الأرحام وبر الوالدين والدعاء والاستغفار.

ويؤكد العلماء أن هذه الأيام تمثل فرصة عظيمة لمراجعة النفس وتجديد التوبة والعودة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى، خاصة في ظل ضغوط الحياة وتسارعها، وما تفرضه من انشغالات قد تُبعد الإنسان عن أجواء العبادة والطاعة.

كما ينصح أهل العلم بالإكثار من التكبير خلال هذه الأيام، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين كانوا يملؤون الطرقات والأسواق بذكر الله تعظيمًا لشعائره وإحياءً لهذه النفحات المباركة.

ويظل يوم عرفة هو أعظم أيام العشر الأوائل وأعلاها منزلة، حيث يقف حجاج بيت الله الحرام على جبل عرفات في مشهد إيماني مهيب تتجلى فيه الرحمة والمغفرة والعتق من النار.

وفي الوقت نفسه، يحرص المسلمون في مختلف أنحاء العالم على صيام هذا اليوم المبارك والإكثار فيه من الدعاء والذكر والاستغفار، لما له من فضل عظيم وثواب كبير.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
«أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»، وهو ما يجعل صيام يوم عرفة فرصة عظيمة لمحو الذنوب وتجديد العهد مع الله سبحانه وتعالى.