في ظل الضغوط المتزايدة والأزمات التي يعيشها كثير من الناس في حياتهم اليومية، يظل البحث عن الطمأنينة والسكينة الروحية هدفًا يسعى إليه الجميع، خاصة مع تزايد الابتلاءات والمحن التي تجعل الإنسان أكثر احتياجًا إلى رحمة الله وعونه. وفي هذا السياق، كشف الدكتور عطية لاشين عن ثلاثة أعمال عظيمة وصفها بأنها من أهم الأسباب التي تدفع البلاء وتجلب الرحمة والرزق والسكينة إلى حياة الإنسان.
وأوضح أن هذه الأعمال ليست مجرد عبادات يؤديها المسلم بصورة شكلية، بل هي أبواب واسعة للخير والنجاة، تحمل في داخلها معاني الإيمان الصادق واليقين الكامل بالله، مشيرًا إلى أن الالتزام بها يمنح الإنسان شعورًا بالأمان والراحة مهما اشتدت الأزمات وتعقدت الظروف.
أكد عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف أن الدعاء يأتي في مقدمة الأعمال التي تدفع البلاء، موضحًا أن الإنسان حين يرفع يديه إلى السماء فإنه يعلن افتقاره الكامل إلى الله سبحانه وتعالى، ويعترف بأنه لا ملجأ ولا منجى إلا إليه.
وأشار إلى أن القرآن الكريم كشف عن عظمة الدعاء ومكانته الكبيرة في حياة المؤمن، حيث قال الله تعالى:
﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، وهي آية تؤكد أن الدعاء ليس مجرد طلب للحاجات، بل عبادة عظيمة يحبها الله من عباده، لأنها تعبر عن الخضوع والانكسار واليقين بقدرة الله على تغيير الأحوال.
وبيّن العلماء أن أثر الدعاء لا يقتصر فقط على تحقيق ما يتمناه الإنسان، بل قد يكون سببًا في رفع بلاء كان سيقع، أو تخفيف مصيبة نزلت بالفعل، أو ادخار أجر وثواب عظيم لصاحبه في الآخرة.
كما أن الدعاء يمنح القلب راحة نفسية كبيرة، لأن المؤمن حين يدعو يشعر أن الله يسمعه ويراه ويعلم ما في قلبه، فيهدأ خوفه ويزول قلقه، ويحل مكانه اليقين بأن رحمة الله أوسع من كل ضيق.
وأوضح الدكتور عطية لاشين أن ثاني الأعمال التي تدفع البلاء هو شكر النعم، مؤكدًا أن الله سبحانه وتعالى ربط بين الشكر وزيادة الخير والبركة، فقال عز وجل:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وبيّن أن الشكر الحقيقي لا يكون باللسان فقط، وإنما يكون بالقلب والقول والعمل، فالمؤمن الصادق هو الذي يعترف بفضل الله عليه، ويحمده على نعمه، ثم يستخدم هذه النعم فيما يرضي الله ويعود بالنفع على الناس.
وأشار إلى أن كثيرًا من الناس يعيشون وسط نعم عظيمة دون أن يشعروا بقيمتها، مثل نعمة الصحة والأهل والأمان والرزق، ولا يدركون حجم هذه النعم إلا بعد فقدانها، ولذلك فإن دوام الشكر يعد من أهم أسباب حفظ النعم من الزوال.
وأضاف أن الشكر يزرع في قلب الإنسان الرضا والطمأنينة، ويجعله أكثر قربًا من الله، لأن العبد الشاكر يعيش دائمًا في حالة امتنان لله مهما كانت ظروفه، فيفتح الله له أبواب الخير والرزق والسكينة
أما الباب الثالث الذي يدفع البلاء فهو الرحمة بالضعفاء ونصرتهم ومساعدتهم، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم».
وأوضح أن هذا الحديث النبوي يحمل رسالة عظيمة تؤكد أن رحمة الإنسان بالفقراء والمحتاجين سبب مباشر لنزول الرحمة والرزق والبركة عليه وعلى مجتمعه.
فمساعدة المحتاجين، ورعاية الأيتام، والوقوف بجانب المرضى وكبار السن، والتخفيف عن أصحاب الأزمات، كلها أعمال يحبها الله ويرفع بها البلاء عن العباد.
وأشار العلماء إلى أن كثيرًا من الناس قد تُفتح لهم أبواب الخير بسبب صدقة خفية أو دعوة صادقة من فقير أو مسكين، ولذلك كان الإحسان إلى الضعفاء من أعظم أسباب تفريج الكروب ونزول الرحمة.
وفي المقابل، حذر العلماء من أن هناك ذنوبًا وأعمالًا قد تكون سببًا في منع استجابة الدعاء، مهما أكثر الإنسان من الدعاء والتضرع، لأن الدعاء يحتاج إلى قلب صادق وطريق مستقيم وكسب حلال
من أخطر الأسباب التي تمنع استجابة الدعاء أكل المال الحرام، سواء كان ذلك من خلال الربا أو الغش أو الظلم أو الاستيلاء على أموال الناس بغير حق.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم خطورة ذلك في الحديث الشريف عندما ذكر الرجل الذي يطيل السفر ويرفع يديه إلى السماء داعيًا الله، لكن مطعمه ومشربه وملبسه من الحرام، فقال النبي:
«فأنّى يُستجاب لذلك؟».
وهذا يدل على أن الحرام يحجب بركة الدعاء، ويمنع قبول الأعمال، لأن الله سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبًا.
ومن الذنوب التي تمنع نزول الرحمة أيضًا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من السكوت عن الفساد وانتشار المنكرات دون محاولة إصلاحها.
وقال صلى الله عليه وسلم:
«لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم».
ويؤكد العلماء أن إصلاح المجتمع ونشر الخير والدفاع عن القيم والأخلاق من أسباب نزول الرحمة، بينما يؤدي انتشار الفساد والصمت عليه إلى تفشي البلاء وحرمان الناس من البركات
كما شدد العلماء على أن الدعاء عبادة خالصة لله وحده، ولذلك فإن التوجه بالدعاء أو الاستغاثة بغير الله يعد من أخطر الذنوب التي تمنع قبول الدعاء.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾.
وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء هو جوهر العبادة، وأن إخلاص القلب لله شرط أساسي لقبول الأعمال واستجابة الدعوات.