في تحذير فكري عميق يتجاوز حدود الوعظ التقليدي، أطلق الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رؤية تحليلية خطيرة بشأن واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد استقرار المجتمعات، وهي ظاهرة تلبيس الحق بالباطل، معتبرًا إياها من كبائر الآثام التي لا تفسد الدين فحسب، بل تضرب في مقتل أسس التفاهم الإنساني والتماسك الاجتماعي.
التلبيس.. حين يتحول الكلام إلى أداة تضليل
يشير جمعة إلى أن التلبيس ليس مجرد خطأ عابر في التعبير أو سوء فهم، بل هو آفة فكرية متجذرة، تقوم على خلط الحق بالباطل بشكل متعمد أو غير واعٍ، ما يؤدي إلى تشويه الحقيقة وتعطيل إدراكها.
ويؤكد أن الفهم الصحيح لأي قضية لا يتحقق إلا عندما يعكس صورة صادقة للواقع، لكن عندما يتحول الكلام إلى ظاهرة صوتية فارغة من المعنى الحقيقي، يصبح أداة تضليل، لا وسيلة تواصل، وهو ما يؤدي إلى انهيار الفهم، وبالتالي انهيار التفاهم بين البشر.
انهيار التفاهم.. بداية تفكك المجتمع
يربط جمعة بين التلبيس وبين تفكك النسيج الاجتماعي، موضحًا أن تعطيل الفهم يؤدي بالضرورة إلى تعطيل التفاهم، وهو الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الإنسانية.
ويضيف أن هذا الخلل يعرقل البحث عن القواسم المشتركة بين الناس، ويغلق أبواب الاتفاق، ويفتح المجال أمام النفاق والاختلاف، فيتحول المجتمع إلى ساحة صراع فكري وأخلاقي، بدلاً من كونه بيئة للتعاون والتكامل.
تحذير قرآني صريح.. إدانة خلط الحق بالباطل
يستند هذا التحذير إلى نص قرآني واضح يدين هذا السلوك، حيث يقول الله تعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
وهو نص يحمل دلالة قوية على خطورة هذا الفعل، ليس فقط باعتباره انحرافًا فكريًا، بل كجريمة أخلاقية قائمة على إخفاء الحقيقة وتشويهها عن عمد.
الاجتزاء القبيح.. أخطر أدوات التلبيس
من أبرز مظاهر التلبيس التي حذّر منها جمعة، ما يُعرف بـ الاجتزاء أي اقتطاع جزء من الحقيقة وترك باقيها، بما يؤدي إلى إيصال معنى مغلوط للمتلقي.
ويضرب العلماء أمثلة واضحة على ذلك، منها:
الاكتفاء بقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾
دون استكمال الآية:
﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾
مما يحوّل المعنى من نهي عن الصلاة في حالة معينة، إلى نهي مطلق عنها.
أو قول:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾
دون ذكر تتمتها:
﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
وهو ما يغيّر المعنى من تحذير لفئة مهملة للصلاة، إلى تهديد عام لكل المصلين.
هذه النماذج تكشف كيف يمكن لاجتزاء النصوص أن يحوّل الحق إلى باطل، ويخلق فهمًا مشوّهًا قد يقود إلى انحرافات فكرية وسلوكية خطيرة.
حين يصبح التلبيس ثقافة.. الخطر الأكبر
يحذر جمعة من مرحلة أكثر خطورة، وهي أن يتحول التلبيس من سلوك فردي إلى ظاهرة ثقافية يتفاخر بها بعض الكُتّاب والمثقفين، معتبرًا ذلك مؤشرًا على تدهور خطير في الوعي العام.
ويؤكد أن هذا التحول يعني أن المجتمع بدأ يفقد بوصلته الأخلاقية، حيث يُصبح الخطأ مقبولًا، بل وممدوحًا، بينما يُنظر إلى من يدافع عن الحقيقة على أنه شاذ أو خارج عن المألوف.