في ظل تزايد الحديث عن الاضطرابات النفسية، يبرز الوسواس القهري كواحد من أكثر الأمراض التي تثير الحيرة والقلق لدى المصابين به، خاصة عندما يتداخل مع الجانب الديني في حياة الإنسان كثيرون يتساءلون: هل يكفي اللجوء إلى الأذكار والدعاء للتخلص من هذا المرض؟ أم أن الأمر يتطلب تدخلًا طبيًا متخصصًا؟

هذا التساؤل لم يعد مجرد استفسار عابر، بل أصبح قضية تشغل بال شريحة واسعة من المجتمع، خصوصًا مع انتشار نصائح غير دقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تدعو إلى الاكتفاء بالعبادات كحل وحيد لمشكلة معقدة تتعلق بوظائف الدماغ.

في رد واضح وحاسم، أكد الشيخ إبراهيم عبد السلام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الوسواس القهري ليس مجرد حالة عابرة أو ضعف في الإيمان، بل هو مرض عضوي حقيقي، يشبه في طبيعته أمراضًا مزمنة مثل ضغط الدم أو السكري، ويحتاج إلى تشخيص وعلاج طبي دقيق.

وأوضح أن التعامل مع هذا المرض لا ينبغي أن يقتصر على النصائح العامة أو التوجيهات الروحية فقط، بل يجب أن يكون من خلال الأطباء المختصين، الذين يمكنهم تحديد طبيعة الحالة ووصف العلاج المناسب لها، سواء كان دوائيًا أو سلوكيًا.

كيمياء المخ في قلب الأزمة

أشار أمين الفتوى إلى أن الوسواس القهري يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكيمياء المخ، حيث ينتج عن اضطراب في إفراز بعض المواد الكيميائية المسؤولة عن تنظيم التفكير والسلوك. هذا الخلل يؤدي إلى سيطرة أفكار قهرية على المريض، تجعله عالقًا في دائرة مغلقة من التفكير المتكرر الذي يصعب كسره دون تدخل علاجي.

وبيّن أن هذه الحالة قد تتخذ صورًا متعددة، فقد تظهر في أمور تتعلق بالطهارة أو الصلاة أو العقيدة، وقد تمتد إلى مسائل حياتية أخرى، لكن القاسم المشترك بينها هو الإلحاح المستمر للفكرة، وعدم قدرة المصاب على التخلص منها بسهولة.

العبادات وحدها لا تكفي.. بل قد تزيد المعاناة

في نقطة بالغة الأهمية، حذر عبد السلام من الاكتفاء بالأذكار أو الاستغفار كوسيلة وحيدة للعلاج، موضحًا أن هذا التوجه  رغم أهميته الروحية  قد لا يكون كافيًا للتعامل مع المرض من جذوره.

بل إن الاعتماد عليه فقط قد يؤدي إلى نتائج عكسية في بعض الحالات، خاصة عندما يكون الوسواس مرتبطًا بالخوف من التقصير في العبادات فالمريض قد يجد نفسه يكرر الوضوء أو الصلاة بشكل مبالغ فيه، أو يعيش في حالة شك دائم، مما يزيد من حدة التوتر والقلق، ويدخل في دائرة معقدة من الوساوس.

الشريعة ترفع الحرج عن الموسوس

من الجانب الشرعي، أكد أمين الفتوى أن الإسلام لم يغفل مثل هذه الحالات، بل راعى أصحاب الوسواس القهري، وخفف عنهم الأحكام بما يتناسب مع ظروفهم.

وأشار إلى أن الفقه الإسلامي يتعامل مع الموسوس باعتباره من أصحاب الأعذار، ويُفتى له بما يحقق التيسير ويدفع عنه المشقة، مستندًا إلى قاعدة فقهية راسخة: “المشقة تجلب التيسير”.

هذا التوجه يعكس رحمة الشريعة ومرونتها، حيث لا تُحمّل الإنسان ما لا يطيق، ولا تجعله أسيرًا لحالة نفسية خارجة عن إرادته.

في ضوء ما سبق، تتضح الصورة الكاملة لعلاج الوسواس القهري، والتي تقوم على مبدأ التوازن بين الجانبين الطبي والروحي. فالعلاج الدوائي والسلوكي يمثل الأساس في التعامل مع المرض، بينما تلعب الأذكار والدعاء دورًا داعمًا يعزز من الاستقرار النفسي ويقوي الجانب الإيماني.