في الثاني من مايو من كل عام، يستعيد عشّاق التلاوة القرآنية ذكرى رحيل أحد أعلامها الكبار، الشيخ محمد عبد العزيز حصّان، الذي لم يكن مجرد قارئ للقرآن، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في فن الوقف والابتداء والتلوين النغمي. رجلٌ صاغ بصوته وجدان أجيال، وترك بصمة لا تُمحى في تاريخ التلاوة المصرية والعالم الإسلامي.
وُلد الشيخ محمد عبد العزيز بسيوني حصّان عام 1928 بقرية الفرستق التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة، إلا أنها كانت غنية بالقيم الدينية والروحانية. لم يكن فقدانه للبصر عائقًا، بل تحوّل إلى دافعٍ قوي نحو التفرغ الكامل لحفظ القرآن الكريم.
أتمّ حفظ كتاب الله وهو في السابعة من عمره، في إنجاز مبكر يعكس موهبة استثنائية وإرادة فولاذية. وقد لعبت البيئة المحيطة به دورًا محوريًا في صقل هذه الموهبة، حيث لاحظ المقربون منه علامات النبوغ المبكر، فتم توجيهه إلى كتّاب الشيخ عرفة الرشيدي، الذي كان له أثر كبير في تثبيت أركان علمه القرآني.
وفي شهادة ذاتية مؤثرة، عبّر الشيخ حصّان عن تلك المرحلة قائلاً إنه أدرك منذ صغره أن القرآن هو طريقه الوحيد للسمو والارتقاء، وأنه لا قيمة له بدونه، وهو ما شكّل وعيه المبكر ورسّخ لديه ارتباطًا عميقًا بكلام الله.
لم يكتفِ الشيخ حصّان بحفظ القرآن، بل انطلق إلى التخصص في علومه، فأتقن القراءات السبع، وحفظ متن الشاطبية خلال عامين فقط، ليصبح قبل بلوغه العاشرة عالمًا بأحكام التلاوة.
هذا التميز العلمي المبكر جعله لاحقًا أحد أبرز المتخصصين في علم الوقف والابتداء، وهو العلم الذي يحدد مواضع التوقف والاستئناف في التلاوة بما يحفظ المعنى ويُبرز الدلالة، وهو ما برع فيه الشيخ إلى حدٍ جعله يُلقب بـ"أستاذ الوقف والابتداء".
الحنجرة الذهبية: صوت يهز القلوب قبل الآذان
تميّز الشيخ حصّان بصوت فريد، وُصف بأنه "حنجرة ذهبية فولاذية"، يجمع بين القوة والعذوبة، وبين الإتقان الفني والروحانية العالية لم تكن تلاوته مجرد أداء صوتي، بل تجربة وجدانية كاملة، تأخذ المستمع في رحلة إيمانية عميقة.
وقد أبدع في التلوين النغمي، حيث كان ينتقل بين المقامات الصوتية بسلاسة، دون أن يخلّ بالمعنى أو يخرج عن روح النص القرآني، ما جعله نموذجًا يحتذى به في فن التلاوة.
الانطلاقة الإذاعية: من التحدي إلى التميز
في يناير 1964، تقدّم الشيخ حصّان لاختبارات الإذاعة المصرية، إلا أن لجنة الاختبار طلبت منه التريث لمدة ستة أشهر. لم يكن ذلك عائقًا، بل دافعًا لمزيد من الإتقان.
عاد بعد انتهاء المهلة، ليحقق نجاحًا لافتًا، ويحصل على تقدير "امتياز"، لتبدأ رحلته الرسمية مع الإذاعة، التي كانت بوابته إلى قلوب الملايين داخل مصر وخارجها.
في عام 1980، صدر قرار جمهوري من الرئيس أنور السادات بتعيين الشيخ حصّان قارئًا لمسجد السيد البدوي بمدينة طنطا، وهو أحد أهم المساجد التاريخية في مصر.
جاء هذا القرار تتويجًا لمسيرة طويلة من الإبداع، واعترافًا رسميًا بمكانته كأحد كبار قرّاء القرآن في العصر الحديث.
ألقاب صنعتها الموهبة: القارئ الفقيه وقارئ النصر
حمل الشيخ حصّان العديد من الألقاب التي تعكس تميزه، أبرزها:
القارئ الفقيه
قارئ العبور
قارئ النصر
أستاذ الوقف والابتداء
وقد أُطلق عليه لقب "القارئ الفقيه" بسبب قدرته الفريدة على ابتكار معانٍ جديدة من خلال الوقف الصحيح، حتى بدا وكأنه يفسر القرآن أثناء تلاوته.
لحظة تاريخية: من التلاوة إلى رمز النصر
ارتبط اسم الشيخ حصّان بواحدة من أهم اللحظات في التاريخ المصري، وهي حرب حرب أكتوبر 1973.
ففي فجر السابع من أكتوبر 1973، تلا الشيخ آيات من سورتي الأحقاف ومحمد في مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، دون أن يعلم أن مصر قد بدأت بالفعل معركة العبور.
كانت التلاوة مؤثرة إلى حدٍ دفع الإذاعة لتمديد وقتها، بطلب من الإعلامية صفية المهندس، لتصبح هذه التلاوة لاحقًا رمزًا من رموز النصر، ويُطلق عليه منذ ذلك الحين لقب "قارئ العبور".
حضور عالمي محدود وتأثير واسع
رغم الشهرة الواسعة التي حظي بها، لم يكن الشيخ حصّان من محبي السفر، فكان يعتذر عن كثير من الدعوات الدولية ومع ذلك، لم يمنع ذلك من وصول صوته إلى العالم، حيث أرسلت بعض الإذاعات وفودًا لتسجيل تلاواته داخل مصر.
وقد لبّى عددًا محدودًا من الدعوات، خاصة إلى دول الخليج العربي، منها دولة الإمارات بدعوة من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والمملكة العربية السعودية، التي كانت تحتل مكانة خاصة في قلبه.
ويُعد الشيخ حصّان من القلائل، بل ربما الوحيد من المكفوفين في القرن العشرين، الذي تلقى دعوات رسمية لإحياء ليالي رمضان في عدة دول عربية.
الرحيل: نهاية الجسد وبقاء الأثر
في ليلة الجمعة الموافق 2 مايو 2003، رحل الشيخ محمد عبد العزيز حصّان عن عالمنا، تاركًا خلفه إرثًا ضخمًا من التلاوات الخالدة.