مع حلول الأول من مايو من كل عام، يحتفي العالم بـعيد العمال، تلك المناسبة التي تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي لتصبح محطة للتأمل في قيمة العمل ودوره في بناء المجتمعات. وفي هذا الإطار، سلط مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية الضوء على الرؤية الإسلامية العميقة لمكانة العمل، مؤكدًا أن الإسلام لم ينظر إلى العمل باعتباره مجرد وسيلة للرزق، بل جعله أساسًا من أسس عمارة الأرض وتحقيق الكرامة الإنسانية.


أكد المركز أن الشريعة الإسلامية أرست قواعد واضحة تجعل من العمل قيمة محورية في حياة الإنسان، حيث هيأ الله سبحانه وتعالى الأرض للإنسان، وجعلها ميسرة للسعي والكسب، داعيًا عباده إلى الأخذ بالأسباب وعدم الركون إلى الكسل.

وفي هذا السياق، يستشهد الخطاب القرآني بقول الله تعالى:
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور}،
في تأكيد واضح على أن السعي في الأرض والعمل ليس مجرد خيار، بل هو جزء من منظومة العبودية التي توازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله

نظام كوني متكامل

وأوضح المركز أن الإسلام يقدم رؤية متكاملة للحياة تقوم على التوازن، حيث جعل الله تعالى الليل والنهار آيتين من آياته، لكل منهما وظيفة محددة تخدم الإنسان في مسيرته الحياتية.

فالنهار ميدان للحركة والعمل وطلب الرزق، بينما الليل زمن للسكون واستعادة النشاط، وهو ما يعكس حكمة إلهية دقيقة في تنظيم حياة الإنسان بما يحقق له الإنتاج والاستقرار النفسي والجسدي.

ويؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى:
{وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}،
وقوله سبحانه:
{وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا}،
في إشارة إلى أن العمل ليس فقط ضرورة اقتصادية، بل جزء من نظام كوني متكامل.

وفي تأكيد على مكانة العمل اليدوي والكسب المشروع، أشار المركز إلى ما قررته السنة النبوية من أن أفضل ما يأكله الإنسان هو ما كان من عمل يده، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ:
«ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».

هذا التوجيه النبوي يعكس تقدير الإسلام لقيمة الجهد الشخصي، ويؤسس لمفهوم الاستقلال الاقتصادي القائم على العمل والإنتاج، بعيدًا عن الاتكالية أو الاعتماد على الآخرين.

ولم يكتفِ الإسلام بالحث على العمل، بل ربطه ارتباطًا وثيقًا بكرامة الإنسان وعزته، حيث أكدت السنة النبوية أن أي عمل شريف، مهما بدا بسيطًا، يرفع من شأن صاحبه ويغنيه عن سؤال الناس.

وفي هذا السياق، جاء قول النبي ﷺ:
«لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحدًا، فيعطيه أو يمنعه»،
ليؤسس قاعدة أخلاقية عميقة مفادها أن العمل، مهما كان شاقًا، يبقى أكرم للإنسان من مد اليد للآخرين.

وأشار المركز إلى أن الإسلام لا يفصل بين العبادة والعمل، بل يجمع بينهما في إطار واحد يحقق التوازن بين متطلبات الروح والجسد. ويتجلى ذلك بوضوح في التوجيه القرآني الذي يأتي بعد أداء صلاة الجمعة، حيث يقول الله تعالى:
{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

فالآية تجمع بين السعي إلى الآخرة من خلال العبادة، والسعي إلى الدنيا من خلال العمل، في منظومة متكاملة تؤكد أن الإسلام دين يعمر الأرض كما يهذب النفس.