في أجواء روحانية عامرة بخشوع المصلين، وتحت قباب العلم العتيقة التي شهدت قرونًا من الدروس والفتاوى، احتضن الجامع الأزهر درس التراويح في الليلة الخامسة من شهر رمضان، حيث ألقى الدكتور عبد الفتاح العواري، عضو مجمع البحوث الإسلامية وعميد كلية أصول الدين الأسبق، كلمة حملت أبعادًا عقدية وتشريعية عميقة، ركزت على الخصيصة الكبرى التي اختص الله بها شهر رمضان دون سائر الشهور.

الدرس لم يكن مجرد موعظة عابرة في ليلة رمضانية، بل جاء بمثابة قراءة فكرية وروحية في العلاقة العضوية بين رمضان والقرآن، وفي فلسفة التشريع الإسلامي التي انطلقت شرارتها الأولى في هذا الشهر المبارك.


استهل الدكتور العواري حديثه بالتأكيد على أن شهر رمضان ليس شهرًا كسائر الشهور، بل هو شهر اختصه الله بميزة لا تتكرر في غيره، وهي نزول القرآن الكريم فيه، موضحًا أن هذه الخصيصة الإلهية جعلت العلاقة بين رمضان والقرآن علاقة وثيقة لا تنفصم عراها عبر الزمان.

واستشهد بقول الله تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾، مؤكدًا أن ابتداء نزول الوحي في هذا الشهر كان أعظم منّة إلهية امتنّ الله بها على الأمة المحمدية، إذ تنزلت أولى آيات السماء على قلب النبي العربي ﷺ في رمضان، فكان ذلك إيذانًا ببداية عهد جديد للبشرية جمعاء.

وأوضح أن نزول القرآن لم يكن حدثًا تاريخيًا فحسب، بل كان تحولًا وجوديًا غيّر مسار الإنسانية، إذ جاء كتابًا يحمل الهداية العامة للناس كافة، والدلائل الواضحة التي تهدي إلى سواء السبيل، وتفرق بين الحق والباطل.

القرآن فرقان الحق

وفي محور آخر من الدرس، شدد عضو مجمع البحوث الإسلامية على أن القرآن الكريم سُمّي فرقانًا لأنه يفرّق بين المتناقضات التي قد تلتبس على الناس، فهو الذي يميز بين الخير والشر، وبين الرشد والغي، وبين الحق والباطل، فلا يترك الإنسان حائرًا في ظلمات الشبهات.

وأكد أن هذا الكتاب الإلهي جاء ليقيم ميزان الحق في حياة البشر، وليضبط حركة الإنسان في الكون وفق منهج رباني متكامل، مشيرًا إلى أن الأمة إذا أرادت النجاة والاستقرار، فلا سبيل لها إلا بالاحتكام إلى هذا الميزان الرباني.

وبيّن أن جوهر رسالة الإسلام قائم على إعلاء قيمة الحق في كل مجالات الحياة، سواء في الاعتقاد أو التشريع أو المعاملات، وأن القرآن ليس كتاب تلاوة فحسب، بل كتاب بناء حضارة وصناعة إنسان.

الصوم شكر النعمة

وتطرق الدكتور العواري إلى البعد التشريعي في خصوصية رمضان، موضحًا أن فرض الصوم على الأمة جاء في سياق هذه النعمة العظمى، وكأن الصيام شكر عملي لله على نعمة تنزيل القرآن واختصاص أمة محمد ﷺ به.

وأشار إلى أن شهر رمضان يمثل بداية تشريع متكامل للأمة الإسلامية، وأن التشريع الذي نزل في هذا الشهر تشريع رفيع في مصدره ومضمونه، لأنه قائم على الحق من أوله إلى آخره، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾.

وأوضح أن هذه الآية تؤكد أن مصدر الرسالة حق، وأن مضمونها حق، وأن الغاية منها حق، وهو ما يجعل الإسلام دينًا قائمًا على اليقين والثبات، بعيدًا عن الاضطراب والتناقض.

التمسك بالحق.. شرط خيرية الأمة

وفي سياق دعوته إلى استلهام معاني رمضان، شدد الدكتور العواري على أن تمسك الأمة بالحق الذي جاء به القرآن هو السبيل الوحيد لتحقيق خيريتها بين الأمم، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّمَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.

وأكد أن قيمة الحق ليست شعارًا نظريًا، بل التزامًا عمليًا يظهر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الإيمان الصادق الذي ينعكس سلوكًا وأخلاقًا، مستحضرًا قوله تعالى:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

وبيّن أن خيرية الأمة ليست امتيازًا تاريخيًا ثابتًا، بل مسؤولية متجددة ترتبط بمدى التزامها بمنهج الحق الذي رسمه القرآن، وأن التفريط في هذا المنهج يؤدي إلى فقدان تلك المكانة.

 عبد الفتاح العواري، عضو مجمع البحوث الإسلامية وعميد كلية أصول الدين الأسبق، كلمة حملت أبعادًا عقدية وتشريعية عميقة، ركزت على الخصيصة الكبرى التي اختص الله بها شهر رمضان دون سائر الشهور.

الدرس لم يكن مجرد موعظة عابرة في ليلة رمضانية، بل جاء بمثابة قراءة فكرية وروحية في العلاقة العضوية بين رمضان والقرآن، وفي فلسفة التشريع الإسلامي التي انطلقت شرارتها الأولى في هذا الشهر المبارك.